د محمد عمر دولة
باحث إسلامي

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على النبِيِّ المصطفَى والرسولِ المجتبَى والإمامِ المرتَضى سَيِّدِ الأوَّلِين والآخِرين، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

وبعد، فقد وُلِدَ رسولُنا الأمينُ محمدٌ عليه أفضلُ الصلاةِ والتسليم في البلدِ الأمين زادَه الله تشريفاً وتعظِيماً.

وقد كان لهذا البَلدِ الأمينِ تاريخٌ عظيمٌ مع مَواكِبِ النبيِّين الذين وَفَدُوا إلى هذا البيتِ العتيق من غابرِ الأزمان، كما أخبرَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن نبِيٍّ من أنبياءِ بني إسرائيلَ وأُولِي العَزمِ من الرُّسُل: هو موسى عليه السلام، فقال النبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (كأنِّي أنظرُ إلى موسى عليه السلام هابِطاً من الثَّنِيَّة له جُؤارٌ إلى الله تعالى بالتلبية)، وقال صلى الله عليه وسلم مُخاطِباً حُجاجَ البَيتِ العتيق: (كُونُوا على مَشاعِرِكم؛ فإنكم على إرْثٍ من إرْثِ إبراهيم).

لقد خطا على هذه الأرضِ الطيِّبةِ ـ أرضِ مَولِدِ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ـ إبراهيمُ وإسماعيلُ وموسى صلى الله عليهم وسلم ومَشَوْا حولَ بَيتِ الله المبارَكِ الذي وَضَعَه الله عزَّ وجل للناسِ وأضافَه لِنَفسِه، فقال جلَّ جلاله: (إنَّ أوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ للناسِ لَلَّذي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وهُدًى لِلعالَمِين)، وقال عزَّ وجلَّ لإبراهيم عليه السلام: (وطَهِّرْ بَيتِي)؛ قال ابنُ القيم رحمه الله: "لو لم يكُنْ له شَرَفٌ إلا إضافتُه إياه إلى نفسِه بقوله: (وطهِّرْ بيتِي)؛ لكفَى بهذه الإضافةِ فَضلا وشَرَفاً، وهذه الإضافةُ هي التي أقبلَتْ بقُلوبِ العالَمِين إليه، وسَلَبَتْ نُفوسَهم حُباًّ له وشَوقاً إلى رؤيتِه؛ فهذه المثابةُ للمُحِبِّين يَثُوبُون إليه ولا يَقْضُون منه وَطَراً أبداً كلما ازدادُوا له زيارةً؛ ازدادُوا له حُبّاً وإليه اشتِياقاً فلا الوِصالُ يَشفِيهم، ولا البعادُ يُسَلِّيهم. كما قيل:

أطُوفُ به والنفسُ بعدُ مَشُوقَةٌ
  • إليهِ وهل بعد الطَّوافِ تَدانِ؟

  • وألثُمُ منه الرُّكنَ أطلُبُ بَرْدَ ما
  • بقلبِيَ مِن شَوْقٍ ومِن هَيَمانِ

  • فواللهِِ ما أزْدادُ إلا صَبــابةً
  • ولا القلبُ إلا كثرةَ الخَفَقانِ"

  • وقد كان مولِدُ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بِمَكةَ إيذاناً بِتَجدِيدِ دِينِ التوحِيدِ انطلاقاً من مكةَ المكرمةِ وإقامةِ قَواعِدِ التوحِيدِ في جَنَباتِ البَيتِ العتِيقِ، كما أقام قَواعِدَ البَيتِ مِن قَبْلُ أبَواهُ إبراهيمُ وإسماعيل. (وإذْ يرفَعُ إبراهيمُ القواعِدَ من البيتِ وإسماعيلُ ربَّنا تقبَّلْ منَّا إنك أنتَ السميعُ العليمُ ربَّنا واجْعَلْنا مُسلِمَين لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمةً مُسلِمةً لك وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ علينا إنك أنت التوَّابُ الرحيم ربَّنا وابْعَثْ فيهم رسُولاً منهم يتلُو عليهم آياتِك ويُعلِّمُهم الكتابَ والحكمةَ ويُزَكِّيهم إنك أنتَ العزيزُ الحكيمُ).

    فقد وُلِدَ في مكةَ المكرمة ـ مَهدِ الحنِيفِيةِ الإبراهيميةِ ـ محمدٌ (الماحي) صلى الله عليه وسلم الذي يَمْحُو الله بِه الكُفر، كما روى البخاري ومسلم رحمهما الله أنَّ النبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ لي أسْماء: أنا مُحمَّد، وأنا أحمد، وأنا الماحِي الذي يَمْحُو الله بِي الكُفر، وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ الناسُ على قدمي، وأنا العاقِبُ الذي ليس بعدَه أحدٌ)، وفي روايةٍ لمسلمٍ: (والعاقِبُ الذي ليس بعدَه نَبِيٌّ).

    فقد تضَمَّنَتْ أسْماءُ هذا المولُودِ المبارَك المبعُوثِ بالتوحِيدِ صلى الله عليه وسلم دلالةً على غَلَبَتِه وسِيادتِه لِمَكةَ وتَطهِيرِه جزيرةَ العربِ مِن الشِّركِ صلى الله عليه وسلم؛ فـ(الماحِي الذي يَمْحُو الله به الكُفر)، وقد ظهَرَ ذلك واضِحاً في فَتحِ مكة وانتِشارِ دِينِ الحنيفيةِ وغَلبَةِ التوحيدِ، قال ابنُ الأثير رحمه الله: "في أسْماءِ النبِيِّ عليه السلام: (الماحِي) أي الذي يَمحُو الكُفرَ ويُعَفِّي آثارَه". وقال القاضي عِياض رحمه الله: "يكون مَحْوُ الكُفرِ إما مِن مكةَ وبلادِ العربِ وما زُوِيَ له من الأرض، ووُعِدَ أنه يَبلغُه مُلْكُ أُمَّتِه، أو يكون الْمَحْوُ عاماًّ بِمعنَى الظُّهُورِ والغَلَبة، كما قال تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)".

    فـ(محمد الماحِي) هو الذي أتَمَّ الله به نُورَه وأظهَرَه على الدِّينِ كلِّه، وتأمَّلْ هذا المعنَى في سِياقِ ذِكْرِ القرآنِ فَتْحَ مكة والإشارة إلى علاقةِ هذا الفتحِ بإظهارِ دينِ الحقِّ الذي أُرْسِلَ به محمدٌ صلى الله عليه وسلم على الدِّينِ الْمُحَرَّفِ كلِّه: (لقد صَدَقَ الله رسُولَه الرؤيا بالحقِّ لَتَدْخُلُنَّ المسجِدَ الحرامَ إنْ شاء الله آمِنِين مُحلِّقِين رؤوسَكم ومُقَصِّرين لا تخافُون فعَلِمَ ما لم تعلَمُوا فجعَلَ مِن دونِ ذلك فتحاً قريباً هو الذي أرسَلَ رسولَه بالهدَى ودِينِ الحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وكفَى بالله شهيدا). ثم خُتِمَتْ سورةُ الفتحِ بِذِكْرِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم وصَحبِه الكرامِ رضي الله عنهم وبيانِ أسبَقِيَّةِ أوصافِهم في التوراة والإنجيل: (محمدٌ رسُولُ الله والذين معه أشِداءُ على الكُفارِ رُحَماءُ بينَهم تراهُم رُكَّعاً سُجَّداً يبتغُون فَضلا مِن الله ورِضواناً سِيماهم في وُجُوهِهم مِن أثَرِ السُّجُودِ ذلك مَثَلُهم في التوراةِ ومَثَلُهم في الإنجيلِ كزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأه فآزَرَه فاستَغلَظَ فاستَوى على سُوقِه يُعْجِبُ الزُّراعَ لِيَغِيظَ بهم الكُفار...).

    وأما سِياقُ سُورةِ الصف، فيختلِفُ عن السياق السابقِ في سُورةِ الفتح، فهو وارِدٌ في سِياقِ الردِّ على النصارى المكذِّبين بالرسالةِ المحمَّدية الخاتِمة، كما هو صَريحُ قولِ اللهِ جلَّ جلالُه: (ومَن أظلَمُ ممن افترَى على الله الكذِبَ وهو يُدْعَى إلى الإسلامِ والله لا يهدي القومَ الظالِمِين يُريدُون لِيُطْفئوا نُورَ الله بأفواهِهم والله مُتِمُّ نُورِه ولو كَرِهَ الكافِرُون هو الذي أرْسَلَ رسُولَه بالْهُدَى ودِينِ الحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولو كَرِهَ المشرِكُون).

    وأما سِياقُ سُورةِ التوبة، فيجمعُ ما في السِّياقَين السابِقَين مِن الردِّ على المشركين وأهلِ الكتاب معاً، فقد قال الله عزَّ وجل: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشرِكُون نَجَسٌ فلا يقرَبُوا المسجِدَ الحرامَ بعد عامِهم هذا)... إلى قولِ الله جلَّ جلالُه: (اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْباباً مِن دُونِ الله والمسيحَ بنَ مريَمَ وما أُمِرُوا إلا لِيَعبُدُوا إلهاً واحِداً لا إلهَ إلا هو سبحانه عمَّا يُشرِكُون يُريدُون أنْ يُطْفئوا نُورَ الله بأفواهِهم ويأبَى الله إلا أنْ يُتِمَّ نُورَه ولو كَرِهَ الكافِرُون هو الذي أرْسَلَ رسُولَه بالْهُدَى ودِينِ الحقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولو كَرِهَ المشرِكُون).

    فإظهارُ الدِّينِ الحقِّ إذنْ عامٌّ ـ بِمَجمُوعِ الآياتِ الثلاث في التوبة والفتح والصف ـ يشمَلُ الغلَبةَ والانتِصارَ على مُشرِكي مكةَ وعلى أهلِ الكتابِ المحرِّفين للأديانِ وقد أمرَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم علياًّ رضي الله عنه أنْ يقرأ على الناسِ في الموسِمِ سُورةَ التوبة، وأنْ يُنادِيَ في الناسِ أنْ لا يَحُجَّ البَيتَ بعد هذا العامِ مُشرِكٌ ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُريان

    ولئن كان إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام قد رَفَعا قواعِدَ البَيتِ العتيق؛ فقد أرادَ الله عزَّ وجلَّ لهذا المولُودِ مِن ذُرِّيَتِهما أنْ يُطَهِّرَ البيتَ من الأصنامِ والشِّركِ وعبادةِ غيرِ الله ويُجَدِّدَ دَعوتَهما إلى التوحيدِ ويقومَ بِتَكلِيفِ الله لهما (أنْ طَهِّرا بيتِي)؛ فطهَّرَه صلى الله عليه وسلم يومَ فَتْحِ مكةَ وقضى على الأوثانِ وكسَرَ بيَدَيْه الشريفتَين الأصنام، وطمَسَ الصُّوَرَ الباطِلةَ التي رسَمَها المشركُون في الكعبةِ لأبوَيْهِ إبراهيم وإسماعيل وهما يستَقسِمان بالأزلام

    فهذا المولُودُ المبارَك من ذُرِّيَّةِ إبراهيم ـ محمدٌ صلى الله عليه وسلم ـ هو الذي سيَنْصُرُ دينَ التوحِيدِ ويكسِرُ الأصنام كما كسَرَها أبوه إبراهيمُ الخليل صلى الله عليه وسلم مِن قبلُ (وهذا ذِكرٌ مُبارَكٌ أنزلْناه أفأنتُم له مُنكِرُون ولقد آتينا إبراهِيمَ رُشْدَه مِن قبلُ وكُنَّا به عالِمِين إذْ قال لأبيهِ وقومِه ما هذه التماثِيلُ التي أنتُم لها عاكِفُون)... حتى تَمكَّنَ عليه السلام مِن تحطِيمِ الأصنام؛ (فراغَ عليهم ضَرْباً باليمِين). (فجَعَلَهم جُذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون). فقد كان إبراهيمُ عليه السلام إماماً في الدعوةِ إلى التوحيدِ بالحجة والبرهان وكَسْرِ الشِّركِ بِاليَدِ واللِّسان، وكذلك كان هذا المولُودُ من ذُرِّيةِ إبراهيمَ محمدٌ صلى الله عليهما وسلم.

    وما أحسَنَ قولَ زُهَيرِ بن أبي سلمى:

    وما يَكُ مِن خَيْرٍ أتَوْهُ فإنَّما
  • توارَثَهُ آباءُ آبائهم قَبلُ

  • وَهَل يُنْبِتُ الْخَطِّيَّ إِلا وَشِيجُهُ
  • وَتُغرَسُ إِلا في مَنابِتِها النَخلُ

وهذا يُمهِّد للحديثِ عن شَبَهِ سيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بأبيه إبراهيم عليه السلام، وهو موضُوعُنا القادم إن شاء الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.




رواه البخاري ومسلم.

الجامع الكبير للترمذي 2/220. دار الغرب الإسلامي بيروت. تحقيق د.بشار عواد.

آل عمران 96.

تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص 140-141.

البقرة 128-129.

صحيح البخاري 4/1858، حديث 4614. وصحيح مسلم 4/1828، حديث 2354. كتاب الفضائل، باب في أسمائه.

صحيح مسلم 4/1828، حديث 2354. كتاب الفضائل، باب في أسمائه.

راجع للتوسع مقالة: (الدلالات العقدية للأسماء النبوية) محمد عمر دولةwww.meshkat.net .

النهاية في غريب الأثر لابن الأثير4/305. حرف الميم.

التوبة 33، والفتح 28، والصف 9.

الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ص 145.

الفتح 27-28.

الفتح 29.

الصف 7-9.

التوبة 28.

التوبة 32-33.

الأنبياء 50-52.

الصافات 93.

الأنبياء 58.

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تصنيف :مجتمع