بعض الناس تتملكهم رهبة شديدة من عدو ظاهر أو مستتر يهولون من أمره جداً ويضخمون.. فكل مصيبة تحل هي من تدبيره وكل بلاء يقع فمن تقديره
يجعلون له من مظاهر النفوذ والسلطان ما لا ينبغي له ولا يستطيعه فهو المحصي لأنفاسهم الذي يراهم من حيث لا يرونه وهو معهم أينما كانوا
وإن مثل هذه التصورات أقرب ما تكون إلى خرافات أهل الجاهليات الذين كانوا يعتقدون أنَّ للشر إلهاً وللخير مثل ذلك.. وإله الشر عندهم هو مصدر كل أذى وباعث كل فساد.
وديننا نحن المسلمين حرب على كل خرافة ووهم ، فالعلم عموده والحقيقة طريقه والحق غايته . ينزل كل أمر منزله الحقيقي دون تبخيس ولا تهويل ، فعالم الجن-مثلاً- حقيقة لا سبيل إلي إنكارها كما لا سبيل إلى تصور أنَّ لهم تصرفاً في هذا الكون ، فما هم إلا عباد أمثالنا لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فيهم المسلم الراشد وفيهم السفيه القاسط .
والشيطان عدو الإنسانية الأول يجري من ابن آدم مجرى الدم وهو جاثم على قلبه لكنه ضعيف خناس يوسوس في صدور الناس إذا غفلوا، فإذا ذكروا الله خنس. لا يملك إلا أن يُزيَّن الباطل ويُجمِّل الفواحش وهو في ذلك ضعيف الكيد مع أهل الإيمان بل إنه ليفر من الفج الذي يسلكه مؤمن كعمر بن الخطاب. وإنَّ من الحكمة أن ننظر فيما حولنا وأن نعرف عدوَّنا فمعرفته ضرورة لازمة والحذر منه واجب، ولابد أن يتبع ذلك النظر الحكيم اجتهاد كبير في إصلاح أحوالنا وتغيير ما بأنفسنا من ضعف وقصور لنكون أهلاً للمدافعة مستحقين للنصر القريب.
أما أن يقودنا التفكير في عدونا إلى هزيمة نفسية تُسوِّغ لنا تبرير كل إخفاق وفشل فهذا شأن العاجزين وحال اليائسين.
وإن ديننا يردنا رداً جميلاً إلي النظر في أنفسنا ابتداءً قبل التفكير في أعدائنا المتربصين فنقوِّم الاعوجاج ونصلح الفساد ونحسن الإعداد وهذا كله لا يكون إلا بعلم وعمل ، ولأمرٍ ما كان أول ما نزل من القرآن الكريم (اقرأ) وكانت أوائل سورة (المزمل) و (المدثر) وفيهما ما فيهما من العمل الإصلاحي من قيام وذكر وتبتُّل وتوكل وهجر للرجز وصبر وتَطهر.
إنَّ ما تعيشه أمتنا اليوم من ضعف وتأخر وما يقع عليها من ظلم وتجبُّر هو من عند أنفسنا وبما كسبت أيدينا فلا نلومن إلا أنفسنا، ولن يُغيِّر الله ما بنا حتى نُغيِّر ما بها



عمر الحبر يوسف
كاتب سوداني

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تاريخ  أحداث  أحداث سياسية