خلال إحدى الحصص التدريبية، حول (صعوبات المذاكرة)، وبينما كنت أتحدث مع بعض الطلبة حديثاً خاصاً؛ تتطلبه طبيعة مثل هذه الحصص (التدريبية)- أُلْقِيَتْ قارورة (بيبسي) فارغة فتجاهلت الأمر، ولم أقطع حديثي إلى من كنت أتحدث معه، ولم أزد على أن طلبتُ من أحدهم أن يناولني إياها..بعد فراغي من الحديث مع الطالب عدت إلى المنصة التي أمام الفصل الدراسي، ثم توجهتُ بسؤال إلى الطلاب: (مِين اللي رمى الحاجة دي)؟
توجهت إليهم بالسؤال السابق، لكنني لم أوجه (التهمة) مسبقاً إلى أيّ واحد منهم؛ فقد كانوا جميعهم بالنسبة لي إخوة، إن لم يكونوا أصدقاء مقربين..وهم بقدر ما كانوا فهم ذوي مكانة في نفسي وفي نفس كل محب لهم؛ وبالتالي لا يمكنني أن أنقص من قدر أيّ واحد منهم وأتهمه بإلقاء القارورة على أرضية الفصل.. فهم بقدر ما كانوا كما ذكرت فقد كانوا أيضا بدرجة من البراءة.. براءة ترشح كل واحد منهم -بجدارة- للحصول على تهمة (إلقاء القارورة).. وهذا الوصف لا ينقص من أقدارهم عندي، وقد ذكرتُ آنفاً أنهم ذوو مكانة في نفسي؛ وذلك بسبب ما يجمعونه من براءة ونضج، في مزيج عجيب، قد يراه البعض متناقضاً.. ولا غرابة.. فما أعظمهم، وما أتمّ سعادتنا، ونحن نُفني ساعات أعمارنا في تدريسهم، و(إسعادهم) كما يقولون..
تصدى أحدهم للإجابة عن السؤال.. نهض واقفاً، وأشار إليّ بيده: (أنا اللي رميتها يا أستاذ)..لم تكن دهشتي كبيرة، إلا بالقدر الذي يسمح لي بالمحافظة على حقي كـ(إنسان) له الحق في (الاندهاش) والاستغراب أيضاً.. فقد ذهلت (حقيقة) لا مجازاً.. ذهلت، لا لأن الطالب (القاروري) كان من (أولي الأحلام والنهى)، ولا لأنني ما كنت أتوقع تصرفاً كهذا من مثله، ولا، ولا، بل ذهلتُ و(دُهشت وشُدهت)؛ لأنه لم يمهلني -فرصة- لإعادة طرح السؤال بصيغة أخرى، قد تشجع (الجاني) وتحفزه على (الاعتراف)
المهم أنني حاولت التماسك؛ فعادة ما تثيرني مثل هذه المواقف، التي قد تبكيني أحياناً.. أو لنقول إنني تظاهرت بالتماسك ورباطة الجأش و(برود الإحساس)؛ حتى لا أضطر لمغادرة الفصل، ولمّا أستفد من الدرس كاملاً بعد..طرحت سؤالاً آخر على (الجمهور) -وكان الطالب ما يزال واقفاً- قلت لهم: (الزول دا ليه قام براااهو)؟
أجابني أحد النجباء المهذبين: (لأنو عارفك ما حتضربو).. فبدا لي أن (الأخير) قد استوعب -جيداً- ما كنا بصدده، قبيل إلقاء القارورة.. فقد كنت قد ذكرت لهم -في مقدمة حديثي عن صعوبات المذاكرة- أن من أكثر ما يزّهد الطلبة في المذاكرة ويصّعبها لهم، الخوف وانعدام الحرية..ذكّرتهم بما سبق أن ذكروه -هم- من أن الخوف منغص للحياة نفسها، فضلاً عن المذاكرة.. ثم مازحت الطالب -الذي كان ما يزال واقفاً-: (ما في مشكلة، بس ارم لينا حاجة من منتجاتنا الوطنية).. فضحك الطلاب بمن فيهم (أنا) وصاحب القارورة..
ومن حسن حظي أن (حادثة القارورة) كانت قبيل نهاية الحصة بقليل.. ولما هممت بالخروج طلب مني (بطل الحادثة) أن أعطيه رقم هاتفي.. فلم أفعل، لكنني ناديته بعد خروجي من الفصل؛ لأستوثق من عدم تأثره بالحادثة و(السيناريو) الذي صاحبها..رنا إليّ بمقلتيه.. وجرى إليّ بفطرة المولود، كما كان يفعل آنفا.. فثمّنتُ فيه نضجه وبراءته، وشكرتُ له حبه ومودته..
لكنني -بطبيعة الحال- لم أنس أن أتمنى أن لو كنت (مثله)، لو لم أكن معلماً..



أحمد حمدان

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تصنيف :قصص اجتماعية