تصريح بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين
بلفور.. صاحب الوعد المشئوم
ترجع البدايات الأولى لفكرة إنشاء وطن يجمع اليهود، ويكون حارسًا على مصالح دول (أوروبا) في الشرق إلى ما قبل الحملة الفرنسية على مصر، وتجلى ذلك في خطاب "نابليون" الذي وجهه إلى يهود الشرق؛ ليكونوا عونًا له في هذه البلاد.
وقد وجدت هذه الدعوة صدى لها لدى اليهود، فقد كتب المفكر اليهودي (موسى هس) يقول: إن "فرنسا" لا تتمنى أكثر من أن ترى الطريق إلى "الهند" و"الصين" وقد سكنها شعب على أهبة الاستعداد لأن يتبعها حتى الموت.. فهل هناك أصلح من الشعب اليهودي لهذا الغرض"
ومع نهايات القرن التاسع عشر انتقلت فكرة الصهيونية التي تزعمها "تيودور هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية – من مرحلة التنظير إلى حيّز التنفيذ، وذلك بعد المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في بازل سنة (1314هـ ـ 1897م)، فسعي الصهيونيون للحصول على تعهد من إحدى الدول الكبرى بإقامة وطن قومي يهودي.
"هرتزل" يحاول رشوة سلطان المسلمين
كان التفكير يتجه في البداية إلى منح اليهود وطنًا في شمال أفريقيا، ثم تلا ذلك تحديد منطقة العريش، ولكن هذه المحاولات باءت بالفشل، فاتجه تفكير اليهود إلى "فلسطين"، وسعوا للحصول على وعد من "تركيا" ـ صاحبة السيادة على "فلسطين" ـ لإنشاء وطن لليهود فيها.
وسعى "هرتزل" إلى مقابلة السلطان "عبد الحميد"، وحاول رشوته بمبلغ عشرين مليون ليرة تركية، مقابل الحصول على فلسطين، فرفض السلطان وقال: "لا أقدر أن أبيع ولو قدمًا واحدة من البلاد؛ لأنها ليست لي، بل لشعبي، لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم، وفضلوا أن يموتوا في ساحة القتال، إن الإمبراطورية ليست لي".
الطريق إلى وعد بلفور
ولكن هذا لم يمنع اليهود من أن يعملوا على نشر فكرتهم في أوروبا، ووجدت الفكرة تجاوبًا في الغرب لدى عدد من الساسة والزعماء، وكان آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني من أكثر المتحمسين لها، فقد كان معروفًا بتأثره بالفكر الصهيوني، وتعاطفه الشديد مع الصهيونيين.
ونشط الصهيونيون في التقرب من البريطانيين، وانبروا يؤكدون لهم قدرتهم على تحقيق أهداف بريطانيا والحفاظ على مصالحها، فبدأ البريطانيون يضعون الخطوط الرئيسة لفكرة الوطن اليهودي، وتركزت في البداية على مفهوم إيجاد ملجأ للمضطهدين من اليهود المهاجرين، ولكن الجانب الصهيوني عارض هذا الاتجاه، واستقر الطرفان على مشروع الوطن القومي.
معارضون من الداخل
وقد قوبلت الفكرة بمعارضة شديدة من بين اليهود أنفسهم، خاصة اليهود الليبراليين الذين استطاعوا أن يندمجوا في المجتمعات التي عاشوا فيها، ورأوا في هذه الفكرة دليلاً قد يتخذه أعداء السامية على غربة اليهودي، وعدم قدرته على الاندماج في المجتمع الذي يعيش فيه، وعدم انتمائه إلى موطن إقامته.
وبعد نقاش طويل داخل مجلس ممثلي اليهود البريطانيين رجحت كفة مؤيدي الفكرة، وكان "حاييم وايزمان" و"ناحوم سوكولوف"، من أكثر الصهيونيين حماسًا لهذه الفكرة وتأييدًا لها، واستطاع "وايزمان" أن يقنع ساسة الحلفاء بوجهة نظر الصهيونيين؛ لدفع بريطانيا إلى وضع فكرة الوعود في حيّز التنفيذ.
وعد بلفور
وبتكليف من الحلفاء أقدمت بريطانيا على تلك الخطوة، فأصدرت وعد بلفور، ونشرته الصحف البريطانية صباح (23 محرم 1336هـ ـ 8 /11/ 1917م) وكان نصه:
وزارة الخارجية
2 من نوفمبر 1917م
عزيزي اللورد "روتشلد"
يسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرّته:
"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهومًا بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علمًا بهذا التصريح.
المخلص
آرثر بلفور
وفور إعلان هذا الوعد سارعت دول أوروبا، وعلى رأسها "فرنسا" و"إيطاليا" و"أمريكا" بتأييده، بينما كان في مناطق العالم العربي وقع الصاعقة، واختلفت ردود أفعال العرب عليه بين الدهشة والاستنكار والغضب.
العرب يدفعون الثمن دائمًا
كانت فرنسا صاحبة أول بيان صدر تأييدًا لتلك المبادرة الشائنة، فقد أصدر وزير الخارجية الفرنسي "ستيفان" بيانًا مشتركًا مع ممثل الجمعيات الصهيونية "سكولوف".
عبّرا فيها عن ارتياحهما عن التضامن بين الحكومتين الإنجليزية والفرنسية في قضية إسكان اليهود في "فلسطين".
وإزاء حالة السخط والغضب التي قابل العرب بها "وعد بلفور" أرسلت "بريطانيا" رسالة إلى "الشريف حسين" إمعانًا في الخداع والتضليل، حملها إليه الكولونيل "باست".
تؤكد فيها الحكومة البريطانية أنها لن تسمح بالاستيطان في "فلسطين" إلا بقدر ما يتفق مع مصلحة السكان العرب، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ أصدرت أوامرها إلى الإدارة العسكرية البريطانية الحاكمة في "فلسطين" أن تطيع أوامر اللجنة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين في ذلك الوقت برئاسة "حاييم وايزمان" خليفة "هرتزل".
صليبية من جديد
ولم تمضِ بضعة أشهر على ذلك، حتى وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، ودخلت الجيوش البريطانية بقيادة اللورد "اللنبي" إلى القدس، وهناك ترجّل القائد الإنجليزي وقال كلمته الشهيرة: "اليوم انتهت الحروب الصليبية".
وبعد ذلك بنحو ثلاثة سنوات دخل الجنرال الفرنسي "غورو" دمشق في عام (1338هـ ـ 1920م) ووضع قدمه على قبر "صلاح الدين الأيوبي" وهو يقول بحقد دفين: "ها نحن قد عدنا ثانية يا صلاح الدين".
وفي (رجب 1338هـ ـ نيسان 1920م) .
وافق "المجلس الأعلى لقوات الحلفاء" على أن يعهد إلى "بريطانيا" بالانتداب على "فلسطين"، وأن يوضع "وعد بلفور" موضع التنفيذ.
ثم ما يلبث مجلس "عصبة الأمم المتحدة" أن وافق على مشروع الانتداب في (11 ذي الحجة 1341هـ ـ 24/7/ 1923م)، ثم دخل مرحلة التطبيق الرسمي في (18 صفر 1342هـ ـ 29/9/ 1923م).
وتتلاقى خطوط المؤامرة وتتضح أهدافها بعد أن يتخذ اليهود من "وعد بلفور" ذريعة لقيام دولتهم، فقد أشار إعلان قيام "إسرائيل" إلى اعتراف "وعد بلفور" .
بحق الشعب اليهودي في تحقيق بعثه القومي على بلاده الخاصة به، كما استندوا على أن الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أقرت في (16 محرم 1367هـ ـ 29/11/ 1947م) مشروعًا يدعو إلى إقامة دولة يهودية على أرض "فلسطين".
المراجع
www.alrashead.net/index.php?partd=2&derid=1783
التصانيف
سياسة