لا غرابة في اهتمام القاص المسلم بالاستمداد من السيرة النبوية، وتسجيل مواقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته أمام المحن، وتخطيهم العقبات إلى أن تحققت للإسلام دولته النموذج الأعلى للمسلمين عبر العصور!
لقد كانت السيرة النبوية وما زالت بحراً زاخراً تنبَّه إلى ما فيه من درر تثير كوامن الكثير من الأدباء، وما يزال فيها كنوزاً لم يتعرض لها الروائيون بعد ، وهي تنتظر منهم أن يعرضوها بأسلوب قصصي شيق يستوفي الشروط الفنية، فيكونوا بذلك قد سدوا ثغرة ينفذ منها أصحاب الأفكار المنحرفة، والعقائد الزائفة، بما يقدمونه لأبناء الجيل من ترهات وخيالات مريضة تحت مسمى الفن القصصي ؟!
ومما يبشر بالخير على الرغم من هذا السيل الطامي من القصص والروايات المنحرفة، أن أدباءنا استطاعوا بما يقدمون من قصص أن يزيحوا جزءاً لا يستهان به من هذا الركام الذي وقف طويلاً أمام أبناء الجيل في معرفة تاريخنا العظيم ، وسيرة نبينا الكريم والاستمتاع بها ! ولكن تبقى طريقة التناول هي التي تحدد نجاح العمل القصصي بعد أن توافرت الفكرة الصحيحة، والحدث والشخصيات والغاية النبيلة ولعل من أقدم الأعمال القصصية وأنجحها ما كتبه أمين دويدار تحت عنوان (صور من حياة الرسول) في كتاب تجاوز (600) صفحة، وقد صاغ الأحداث بشكل متسلسل، معتمداً طريقة السرد، جاعلاً الحقيقة التاريخية هي الأساس، وقد سيقت بأسلوب قصصي يشد القارئ، ويجعل المشاهد أمامه حية شاخصة، كأنه يراها رأي عين، ويدركها بكل مشاعره في حقيقتها الواقعة بعيداً عن اختراع المواقف وحشرها، وقد نقل المؤلف الأحداث بلغة العصر، فجاء العمل بسهولة عبارته، وجمال أسلوبه متلائماً مع روح العصر، وثقافة جيل الشباب!!
وخص بعضهم قبائل بعينها، متحدثاً عن بطولة أبنائها في مناصرة الإسلام، والدفاع عن الدعوة ـ كما فصل عبدالحميد طهماز في (فتيان أسلم) إذ عرض عدداً من مواقف هذه القبيلة وفتيانها! فتحدث عن ربيعة بن كعب ، وأمنيته في مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وإعراضه عن الدنيا وعن صبوات الشباب! كما تحدث عن سلمة بن الأكوع، ومبايعة النبي الكريم له ثلاث مرات، وعن بطولة عامر بن الأكوع في خيبر، وعن التائب الصادق! ماعز الأسلمي. وتطهيره من المعصية، وعن الألوية التي خصّ بها النبي صلى الله عليه وسلم هذه القبيلة، وعن موقف صبيانها يوم حنين، ودورهم في قمع حركة الردة، وجهودهم يوم وجه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ الجيوش لفتح العراق وبلاد الشرق، واهتمام عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بهم وإنزالهم في حيين خاصين بهم في الكوفة.
وتأتي هذه المواقف بما فيها من بطولات لتكون نبراساً يحرك نفوس الشباب للسير على خطا هؤلاء الفتية ؟! وأما (فرسان مخزوم) للمؤلف نفسه، فهي أيضاً مستوحاة من السيرة، وقد أبرز الكاتب فيها عدداً من أبطال هذه القبيلة ، فتحدث عن بطولة أبي سلمة وهجرته إلى الحبشة أولاً، ثم إلى المدينة، وعن جهاده وشجاعته، وعن جرأة الوليد بن الوليد في إطلاق سراح أسيرين مسلمين والنجاة بهما؟!
وعن موقف عكرمة بن أبي جهل من الإسلام، ثم إيمانه وبطولته في اليرموك! وعن حنكة خالد بن الوليد العسكرية في مؤتة وغيرها.
وقد عرض ذلك كله بأسلوب مبسط يتناسب مع الناشئة وفهمهم بحيث يتعرفون على أحداث صادقة ، وتجارب إنسانية رفيعة لأولئك الذين شهدوا التغيير الكبير الذي أوجده الإسلام في حياتهم!
وقد أفاد الروائي الإسلامي "نجيب الكيلاني" من السيرة وأحداثها في عدد من قصصه القصيرة، وفي عدد من الروايات، ونتوقف هنا عند روايتين هما: نور الله التي تجاوزت صفحاتها /500 / صفحة، وقاتل حمزة . وقد تحدثت نور الله عن الصراع الدامي الذي خاضته الدعوة الإسلامية ضد أعدائها من يهود ومنافقين، مبرزة انعكاس الأحداث الضخمة على صفحات النفوس المؤمنة والكافرة ، وعن أثر العقيدة في نفوس المؤمنين، وما أوجدته من مقاييس جديدة للسلوك الإنساني !! ويمتد زمن الرواية من بداية هجرة المسلمين إلى الحبشة وحتى فتح مكة ، ويتحرك ابطالها ما بين مكة والمدينة ومنازل اليهود ، ويظهر منها تآمر يهود وتحركهم بالمال والنساء والكلمة المسمومة ؟! وتحريضهم للمشركين بعد هزيمة بدر، ثم سقوط أوكار يهود من بني فينقاع، وانكشاف تآمر بني قريضة، ووضع حد لأحقادهم في اجتياح حصون خيبر بعد محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لها، كما تبرز تحقق رؤية صفية بنت حيي بن أخطب، إذ رأت قمراً وافداً من يثرب يشق الظلام، ويميل نحوها، حتى يستقر في حجرها، فكان أن أسلمت وتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام.
كما صورت نتائج صلح الحديبية، وتراجع قريش عن شروطها وفتح مكة واختلاط مواقف الناس، وصعود بلال على ظهر الكعبة معلناً كلمة التوحيد، وقد اعتمدت الرواية على عدد كبير من المراجع التاريخية والتزمت بأدق الروايات، ورسمت من خلال أحداثها وأشخاصها ملحمة الصراع بين الحق والباطل، وأظهرت سماحة الإسلام مع خصومه على الرغم من سوابق تعديهم وتآمرهم، وقد مزج الكاتب فيها الفن بالتاريخ دون أن يطغى أحدهما على الآخر.
وأما قاتل حمزة فقد استمدت أحداثها من السيرة أيضاً، وعالجت قضية الحرية التي لا يصاحبها الالتزام، وأن الحرية الحقيقية للفرد لا يمكن أن تبدأ إلا من داخل النفس بانتصارها على الشهوة والكراهية والهوى والأنانية، وذلك في عمل فني يمتع الروح والعقل، فوحشي عبد متمرد يحلم بالحرية، ويأتي وعد سيده له بعتقه إن هو قتل حمزة، ليجد هوى في نفسه، وفي يوم أحد يختبئ خلف شجرة، ويلقي بحربته لتصيب من حمزة مقتلاً، ولكنه لم يعش الحياة التي حلم بها! وأصبح دم حمزة لعنة مقيمة لا تفارقه، فيبدأ رحلة العذاب والذل من جديد!! ويتحاشاه العبيد أمثاله، وتزهد به (عبلة) التي استنكرت قتل حمزة، فيحس بخيبة أمل كبيرة، ويشي إلى سيدها الذي رفض أن يبيعها له من قبل، بأنها أسلمت، فينتقم منها هذا السيد
بتسليمها دون ثمن على أن يذيقها العذاب والهوان، فينقلها وحشي إلى بيته، وهو يحلم بساعات الوصال؛ ولكنه وجد منها تأبياً ورفضاً، ولم تلبث أن تهرب لتلتحق بالمدينة . فيلجأ وحشي إلى الغنية (وصال) لعله ينسى واقعه وأحزانه، ولكنها تسلم وتدعه، فيلجأ إلى الخمرة فلا تزيده إلا هلعاً وجزعاً!! وتمضي الأيام به قلقاً معذباً، ويكون صلح الحديبة، ثم فتح مكة فتتضخم مأساته، ثم يلقى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، وتبقى كلمة رسول الله له: (غيِّب وجهك عني) تعذبه، ولكنه عذاب يفجر الألم والندم؟ وتبقى صورة حمزة شاخصة كما كانت من قبل .. وتكون حروب الردة، فيبلي فيها بلاءً حسناً ، ويقدر له أن يقتل مسيلمة الكذاب بالحربة التي قتل بها حمزة من قبل، ويمضي مع الجيوش الإسلامية، ليقيم في بلاد الشام، حيث يلقى منيته وهو على فراشه .
والملاحظ هنا أن الكاتب لم يكتف بالخط العام لشخصية وحشي كما ترجم له في كتب السيرة؛ ولكنه فرع عنه عدداً من الخطوط، فاستعان بعدد من الشخصيات إلا أنها لم تطغَ على الشخصية الرئيسية ؛ ولكنها وضحت بعض جوانبها من خلال رحلتها من الكفر إلى الإيمان. وقد استطاع المؤلف بما لديه من أدوات وإمكانات فنية أن يستبطن مشاعر وحشي في مختلف مراحل حياته.
ويقابل هذه الشخصية شخصية أخرى عرفت حياة العبودية والرق ولكنها منذ البداية استعلت على فوارق اللون والجنس ومقاييس الجاهلية، تلكم هي شخصية بلال رضي الله عنه التي جعلها عبد الحميد جودة السحار، محور قصته (بلال مؤذن الرسول) التي ألقت الضوء على حياته بدءاً من عمله في تجارة أمية بن خلف إلى وفاته، فقد استجاب للإسلام لما دعاه أبو بكر رضي الله عنه، وصبر على تعذيب المشركين له، إلى أن اشتراه أبو بكر، فأعتقه، ولكنه كان إعتاقاً تحرر فيه من سلطة السيد على جسده، وقد سبقه إعتاق آخر، حين تحررت روحه وضميره وقلبه من قيود الجاهلية فآمن بمحمد وبدينه، وقد نال بلال من أصحاب رسول الله كل تقدير ومحبة لما يعلمون من سابقته في الإسلام، وأقسم عليه أبي بكر الصديق أن يبقى معه حين خرج أسامة بجيشه ، وظل حنين بلال متقداً، فلحق بأبي عبيدة في الشام على عهد عمر بن الخطاب، وكانت منيته بعد ذلك في الشام ، وهو يهتف على فراش الموت: غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه ..
المراجع
odabasham.net
التصانيف
مصطلحات دينية أدب