اعان الله الاردن على هذا الحمل الصعب ، فالعرب يريدون من الاردن ان يحمي المسجد الاقصى ، وان يمنع ترحيل الفلسطينيين اليه ، وان يتحمل كل كلف مجاورة الاحتلال ، جيرة السوء التي لا سوء مثلها ، في الدنيا لم نسمع ردود فعل عربية واسلامية ودولية تجاه "اللغم" الذي سربته اسرائيل عبر صحيفة "هآرتس" والذي يقول ان قرارا صادرا عن جيش الاحتلال الاسرائيلي ، قبل ستة شهور سيدخل حيز التنفيذ بترحيل كل مخالفي الاقامة. الترحيل هنا في تفسير لاحق قيل فيه انه لن يشمل اهل غزة في الضفة الغربية ، لكنه عمليا سيشمل الافراد الذين يعيشون في الضفة الغربية على امل وفاء اسرائيل بوعدها بلم شملهم ، واغلب هؤلاء من الاردنيين ، من اصل فلسطيني ، ويشمل ايضا الذين حصلوا على تأشيرات من السفارة الاسرائيلية للزيارة ، وذهبوا الى الضفة الغربية ويعيشون فيها ، ولم يعودوا الى الاردن.
اللغم الذي تفجر في الارجاء الهادئة ، يعني الكثير. اذ يؤشر على جدية اسرائيلية بتفريغ الضفة من اهلها ، وطردهم الى اي مكان. الاردن اول المتأثرين بالقصة. تؤشر القصة من جانب اخطر على ان اقامات الاردنيين من اصل فلسطيني من حملة البطاقات الصفراء ، قد تكون اقامات مهددة ، في مرحلة لاحقة ، وستشطبها اسرائيل في ليلة واحدة ، وهذا ضرر سيشمل عشرات الاف العائلات ، ويصل حد الخطر الى حاملي الجوازات الاردنية المؤقتة من حملة البطاقات الخضراء ، ومجموع حملة البطاقات الصفراء والخضراء ، يصل في الاردن الى مليون شخص ، وفقا لتقديرات.
الغضب الاردني سببه الفهم لطبيعة اسرائيل. بروفة "جمع المخالفين" وترحيلهم الى الاردن ومصر واي دولة اخرى ، يعني ببساطة ان هناك اجراءات اخرى اقلها ، شطب حق العودة عن كل الفلسطينيين في العالم. ثم التخلص من اي حق يطالب به فلسطيني يحمل جنسية عربية او اجنبية ، ثم التخلص من مئات الالاف الذين يعتبرون اردنيين وفلسطينيين في ذات الوقت ، وتحديدا حملة البطاقات الصفراء ، التي تعني كونه مواطنا اردنيا ، وتعني انه مواطن فلسطيني لديه اقامة في القدس او الضفة. مدى هذه السيناريوهات المريضة يصل الى حد تخيل اسرائيل انها قادرة على جمع الناس في شاحنات ورميهم عند الجسور ، باعتبار ان الاردن الخاصرة الضعيفة ، وباعتبار ان الفلسطينيين الخاصرة الضعيفة الاخرى.
دون عواطف ودون مبالغات. اليوم الشعب الفلسطيني تعلم من هجرتي 48 67و ، ولن ينتظر شاحنات اسرائيل لحملهم من فراشهم ورميهم عند اي حدود. الشعب الفلسطيني واعْ ، ويتحمل مسؤولية البقاء في ارضه. الاردن ايضا ليس دولة كرتونية ، ايضا. برغم كل الصعاب والظروف التي نمر بها ، فان الاردن قادر بوعي الناس على رد هذه المؤامرات. الاردن ليس دولة بلا قانون ولا مؤسات ولا بشر ، ولا اناس يفهمون حجم المخاطر. هذه المعادلة التي تجمع بين قومية الاردن ، وحرصه على مصالحه الخاصة ، لا تزول ولا تتأثر ، ويعرف الاردن ان الاهل في الضفة الغربية سيفشلون هكذا مخططات ، اذ ليس كل ما تقوله اسرائيل قدرا على الاردنيين والفلسطينيين.
خطر اسرائيل ضد اهل الضفة الغربية ، وضد الاردن ، هو ذات الخطر الذي نعرفه وعرفناه منذ عام 1948 ، ونراه كل يوم حول المسجد الاقصى ، فلا جديد في الامر. كل ما نريده ان لا تنجح اسرائيل بادارة الاستفزاز على خلفية تفجير اللغم ، بطريقة تريدها ، عبر زرع الشكوك والاستفزازات والمخاوف بين الاردنيين والفلسطينيين. الرد هو بتحالف الجميع. تحالف الوطنيين. في وجه المخطط القذر الذي يريد شطب القضية الفلسطينية ، وشطب القدس ، وشطب الضف الغربية ، وشطب الاردن بتحويله الى دولة اسفنجية تمتص كل الماء الساخن والفائض من بلاءات المنطقة.
من اجل الاردن وفلسطين ، تتشابك ايدينا ، في وجه العدو المحدد والواضح ، والذي لا يجوز استبداله بأي عدو اخر ، تحت وطأة الغضب ، ولنعرف معا ، ان فينا من القدرة والهمة في الضفة الغربية والاردن على تكسير هذه المخططات.
ألا لعنة الله عليها جيرة الاحتلال ، فلا اسوأ من جيرة العدو ، التي لا تنتهي الا بزواله فقط.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة ماهر أبو طير جريدة الدستور