تعد الشاعرة كملا داس (1934-2009) من أشهر شاعرات ولاية كيرلا بالهند. وقد ولدت في ملبار ونشأت في كنف عائلة هندوسية مشهورة بالأدب والثقافة، فوالدها كان مدير تحرير صحيفة كبرى ووالدتها شاعرة معروفة. وقد ظلت تبحث عن الحقيقة حتى استضاءت بنور الإسلام عام 1999م، وغيّرت اسمها إلى كملا ثريا، وكتبت مجموعة شعرية أسمتها (يا الله)، عبرت فيها عن تجربتها الروحية في الهجرة من الكفر إلى الإيمان ومن الحيرة إلى الهدى، ومن الضلال إلى الرشد، وختمت بها حياتها خاتمة طيبة.
وقارئ الديون يمكنه تلمس تلك الروح القلقة التي صاحبت الشاعرة منذ طفولتها وحيرتها وهي تبحث عن أشواق الروح، حتى رأت نور الله، واستنار قلبها بنور اليقين. وسنحاول في السطور الآتية تتبع هذه الرحلة من خلال قصائد الديوان الذي ترجمه عن الإنكليزية الشاعر الإماراتي الدكتور شهاب غانم وحصل الكتاب على جائزة العويس لأفضل عمل مترجم لعام 2011م. وكان الديوان قد صدر بلغة المليالم، عام 2002م، ثم صدرت الترجمة إلى الإنجليزية بقلم الأستاذ كليم أحمد عام 2008م، وصدرت الترجمة العربية بعنوان (رنين الثريا)([1]).
وقصائد الديوان "تكاد تكون كلها تنويعات على نغم واحد، هو فرحتها الطاغية بالوصول إلى الحقيقة واعتناقها الدين الحنيف"([2]). ولم تكن الشاعرة –كما يقول المترجم في مقدمته- مشغولة في قصائدها "بإبداع تلك القطع الشعرية التي تبهر القارئ بجدتها وذكائها وإنما هي مهمومة بالتقرب إلى الله بالتعبير عن فرحتها بالوصول قبل أن تعاجلها المنية"([3]). ولذلك فهي تستعمل لغة بسيطة لا يلفها غموض إلا إنها لم تقع في السطحية بل ظلت تعابيرها شفافة([4]).
سياحة في الديوان
صدَّرت الشاعرة الديوان بتقديم شعري يحكي قصة المجموعة وقصة إيمانها. وقد بدأته بكلمات عن العلاقة الأزلية بين الروح والجسد، ثم روت قصة إشراق نور الإيمان في قلبها قائلة([5]):
كانت رحلتي للبحث
عن النور السماوي.
وأخيراً، ذات ليلة،
بينما كنت غارقة في صلواتي،
رأيت فجأة نوراً سماوياً،
مثل الغرق في نور القمر.
ثم تهدي هذه الديون إلى المولى عز وجل([6]):
فبأقصى تواضع، أقدم هذه الأشعار للمولى..
المحب الرحيم.
وقد اشتمل الديوان على ثمان وثلاثين قصيدة، تراوحت في الطول بين القصيرة والمتوسطة والطويلة. وتنوعت عناوينها، ومواضيعها. فمنها ما جاء في مناجاة المولى عز وجل، ومخاطبة النبي محمد –صلى الله عليه وسلم، وبعضها في وصف رحلة الإيمان وصعوبة الدرب، ووحشة الطريق، وكثرة المثبطات، وفرحة الوصول إلى باب ملكوت الملك القدوس. ويمكن إجمالاً أن ندرج قصائد المجموعة ضمن المحاور التالية:
1. مناجاة الخالق عز وجل:
حفل الديوان بعدة قصائد في مناجاة الخالق عز وجل، فيها تعبير عن حب عميق، وإيمان كامل، وشوق إلى اللقاء واعتراف بالجميل لله الذي هداها لنور الإسلام. وتبدأ معظم قصائد الديوان بقولها: (يا الله)، ولهذا اختارت هذه الكلمة عنواناً للمجموعة. فكل قصائد الديوان هي مناجاة للخالق عز وجل، ورسائل موجهة إليه في علاه. ولكننا سنقتصر هنا على أمثلة من الأبيات التي فيها مناجاة خالصة، وتسبيح وتمجيد ودعاء للخالق. فمن ذلك قولها في أولى قصائد المجموعة (يا من ليس له حدود)([7]):
يا أيها الذي ليس له حدود
يارب... يا الله... يا معبود
فلا قشور الدين أو أصدافه قيود
إذ أنت غاية الغايات في الوجود
وهكذا أسعى إلى ضيائك المديد
وظلك الظليل والممدود
كيما أنال السعد والصفاء
وأغمض العينين في المنام في هناء
وقولها وقد أصبحت ترى الله في كل شيء حولها، تقول في قصيدة (امرأة محظوظة)([8]):
يا ألله!
أراك وحدك
في كبد كل حقيقة موحية.
الأمل يملأ قلبي،
أنت الكل في الكل.
وتصف مناجاتها وتهجدها لله في السحر بقولها في قصيدة (خاتمة المطاف)([9]):
يا ألله!
عندما أعلنت الساعة منتصف الليل
ألقى الله في خاطري:
إنك في حاجة للمنام يا ثريا،
فاملأي قلبك بذكري ونامي،
وانهضي من سريرك
عندما يصيح ديك السحر
وناديني،
فستجدين أنني
لا تأخذني سنة ولا نوم.
وتعبر عن اللذة التي تجدها في الصلاة والمناجاة قائلة في قصيدة (الدرع)([10]):
يا ألله!
في خطاب من دون لغة
أصلى متوجهة إليك
مكررة مرارا:
أنت مالكي
وأنت ربي
وأنت وحدك ملجأي
والدرع الوحيدة
لهذه الروح العارية.
وتبتهل الشاعرة إلى المولى عز وجل أن لا يتخلى عنها، وأن لا يتركها لعذاباتها بعد أن تخلى عنها الخلق أجمعين، وتتذلل بين يديه في خشوع عميق قائلة في قصيدة (ابتسامات)([11]):
إنني أنا أَمتك ثريا
التي أجهشت ذات مرة بالبكاء
في آلآم وأشواق لا توصف
عند قدميك.
وتسأله تعالى أن يثبتها على اليقين، تقول في قصيدة (ضيافة)([12]):
آه يا من ليس له شبيه،
يا مولاي الحقيقي
أمسك بقوة
هذه الروح المرتجفة
وهذا الجسد الهيّاب.
إنني أقف لاجئة
في حماك
ضيفة خاصة
فكيف أحتاج إلى ضيافة أحد سواك؟!
وتسأله تعالى أن يتجاوز عن زلاتها، قائلة في قصيدة (خيط آخر من نور القمر)([13]):
عندما تطفو على السطح
ذنوب وتجاوزات لا تعد ولا تحصى
مثل جثث على بحار النسيان،
أسمع القوم يكررون
أنت مذنبة
وجسدك نجس.
وأن يغفر لها، تقول في قصيدة (الطريق الصاعدة)([14]):
اغفر لي يا ربي
هل الحياة سُلَّم
يمتد إلى ذروة الجبل
في درجات
لا نهائية.
ومن فرط سعادتها بنعمة الإسلام وبرد اليقين، وخوفها من أن تفقدهما أصبحت تستعجل الرحيل لتنعم بجوار من تحب، تقول في قصيدة (اعتذار)([15]):
إلى متى يا ربي
سيطول الانتظار
لهذه "الثريا" المسكينة
التي أدركت
عمق الحب
للوصول إليك
يا من ليس له مثيل؟
وتحس أن يوم الخلاص من سجن الجسد قد أصبح وشيكاً، تقول في قصيدة (وجه الحفيدة الحبيب)([16]):
يا ألله!
في ذلك اليوم الميمون
الذي سألتقي فيه بك
ليس ببعيد.
وتسأل الله تعالى أن يمن عليها بالرحمة بعد الموت قائلة في قصيدة (عناق)([17]):
يا ألله!
النباتات والأعشاب
تنمو في المقبرة،
والأزهار تتفتح
على القبر
وتأتي رحمة الله
مطرا
ونورا
لتعانقنا.
2. مدح الرسول عليه السلام:
هناك قصيدة في مدح النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- حامل مشعل الإيمان إلى قلوب الحيارى وهاديهم إلى سبيل الحق. ونلمس في هذه القصيدة حبها الواضح للرسول –صلى الله عليه وسلم- وشوقها إلى لقائه. فمن ذلك قولها في قصيدة (يا محمد)([18]):
عليك أفضل الصلاة
يا أيها الفجر الذي قد شع كالذهب
ليبهر الليالي الحالكات
في جزيرة العرب
يا آخر الرسل
يا من حملت راية الجهاد
للحق والإخلاص والأمل
وتعبر عن شوقها إلى رؤيته قائلة([19]):
نسمع عن ضياء وجهك المبين
من بعد كل هذه القرون
نحن الذين لم يروك بالعيون
نظل آسفين
لأن حظنا كذاك شِيءَ أن يكون
3. التعبير عن الحيرة والضياع:
تصور الشاعرة في العديد من القصائد حيرتها وضياعها قبل أن تستنير بنور الإسلام، كما تصور مجاهدتها في الوصول إلى اليقين ومصارعتها الأهوال في ذلك. فمن ذلك قولها في قصيدة (إمرأة ضائعة)([20]):
لقد أُغمي عليك عند الباب
وأنت تجاهدين لترتقي تلك الدرجات الشاهقة
بأقدامك الناعمة الدامية
بحثًا عن رضى الحافظ الذي ليس كمثله شيء.
وتصف رحلتها في البحث عن اليقين قائلة في قصيدة (غزال المسك)([21]):
إنني أبحث عنك في كل مكان،
في يأسي الموحش
يمينا ويسارا
أماما وخلفا
في شوق عظيم
أجري باحثة عنك
في جهالة
غزال المسك.
وتعبر عن طول الرحلة وأهوالها قائلة في قصيدة (الجراد)([22]):
رحلت أميالا وأميالا
بحثا عن معلم للحب.
وأخيرا
وقعت في حقولك
بأجنحة جريحة
ووضعت جبهتي
ساجدة لجلالك
يا ألله يا رحيم
وتصور رحلتها الشاقة نحو الحقيقة قائلة في قصيدة (السراب)([23]):
بدأت الرحلة
فألقيت حقيبة الظَهر
وواصلت رحلتي
إلى واحة النخيل
والعيون المتدفقة.
أليس ذلك بيت الله؟
أليست مملكة الحب؟
وقد كانت الدعايات المعادية للإسلام تخوفها منه رغم انجذابها إليه، فكانت تبتعد عنه خائفة، تقول في قصيدة (مياه)([24]):
لقد كنت دائما أسمع
أن الإسلام بحيرة،
تختبئ في أعماقها الأخطار:
في هذه المياه المصبوغة بالاخضرار
تنتظر
أفاع بعيون خضراء،
وتماسيح،
وسرطانات تنفث سموما؛
وبخوف قاتل مضيت بعيدا.
وتشبه حياتها قبل الإسلام بالصحراء الجرداء قائلة في قصيدة (السراب)([25]):
يا ألله!
كانت الحياة صحراء محرقة
بالنسبة لي
منذ مطلع فجر طفولتي
وتصف شوقها ووجدها في البحث عن الحقيقة قائلة في قصيدة (الجراد)([26]):
ألف جرادة
بجوعها العظيم،
دويها يشبه ظمأي
وهجومها يعادل شوقي.
وتصف جوعها وظمأها إلى الله تعالى بقولها في القصيدة نفسها([27]):
إنني جائعة إلى رضاك
ومنك الإشباع أيضاً
وإلى رضاك ظمأي
ومنك الماء الذي يروي.
وترى الشاعرة أنها قبل إسلامها كانت مثل العمياء التي لا تبصر شيئاً من حولها، ولا تهتدي سبيلاً، ولولا أن يد الله تعالى قادتها إلى اليقين وإلى بر الأمان ما كانت لتصل. لذلك نراها تكثر من تشبيه نفسها بالعمياء، كما في قولها في قصيدة (رؤية العمياء)([28]):
ثريا مسكينة،
ولكنها تتألق
في نورك؛
هذه الفتاة العمياء
تستطيع أن تتخيل
البحيرة التي يولد فيها البدر،
وأيضا نور الذي ليس له ملامح.
هذه الفتاة الممتلئة بالصبا
أدركت المقدس الذي ليس كمثله شيء.
وقولها في قصيدة (الرفيق)([29]):
بعضهم يقول:
ثريا مختلة..
ولكن كانت تكفيني
عصا العميان البيضاء
في وحدتي، مع ربي.
ولما وجدت اليقين أحست أنها استردت بصرها، حتى أنها أصبحت تخشى النوم لأنه يجعلها تغمض عينيها، تقول في قصيدة (اعتذار)([30]):
صرت أخشى النوم
فدعني أواصل الرحلة
بعينين مفتوحتين
تمام الانفتاح.
اسمح لي أن أرى
الخيوط الفضية
التي توشي الأفق
ولو كنت عمياء.
املأ عيني الحالمتين
بالعمى
و أيضا بظلام النسيان الرحيم.
4. التعبير عن لذة الفرح بالوصول:
وتكثر الشاعرة من الحديث عن لذة الفرح بالوصول إلى باب الحق عز وجل، بعد رحلة معاناة طويلة. فمن ذلك قولها في قصيدة (امرأة ضائعة)([31]):
لقد عبرت البراري والقفار
والتلال والأنهار
لتصلي إلى هنا
وعندما أصبحت تحت الشجرة المزهرة
هطلت عليك الأمطار،
ثمهطلت الأزهار،
وأشرق وجهك بابتسامة مضيئة
ألا تعيش هذه الذكرى فيك؟
إنها مثل فرحة الوصول للبلوغ
هل تحسين في نفسك صدى لمثل تلك الحالة؟
وقولها في قصيدة (قتل الرحمة) تصف تبدل حالها وهيئتها بعد أن أشرق على جبينها نور الإيمان([32]):
يا ألله!
في اللحظة التي تقبلتني فيها
شكلي وصورتي وطبيعتي
جميعها تغيّرت
وظهرت على جبيني
علامة السجود
واختفت الحلية
التي كنت ألبسها في نفس الموقع.
وتعبر عن هذه اللذة التي انغمست فيها روحها حين رأت نور الله، تقول في قصيدة (سجود) ([33]):
يا ألله!
إنني مغمسة في فرح الاحتفال
في بركة مضاءة بخيوط الشمس،
والأشجار
تُمطر بالأزهار.
وتحس كأن بوابات السماء قد فتحت احتفاء بقدومها، تقول في قصيدة (تضحية الخيل)([34]):
هناك زينة في السماء
لاستقبالي والاحتفاء بي.
آه، يالها من بوابة ملكية
انفتحت
كأنما بفعل صاعقة
خلف حجاب السحب!
وتطلب من كل العابرين في هذا السبيل أن يشاركوها لذة الفرح بالوصول، تقول في قصيدة (حبيبي)([35]):
أيها العابرون في هذا السبيل
شاركوني هذا الفرح،
ألن تفعلوا؟
ولا تجد ما تشكر الله به على هذه النعمة التي حباها إياها إلا بالسجود، تقول في قصيدة (سجود)([36]):
هذا الشعور الجديد
يُسري رعشة في جسدي،
وتشعر روحي بالخجل
فتسجد بين يديك.
وتشكر الله تعالى على هذا التوفيق كما تشكره على كل ما أصابها من تعب في الرحلة، تقول في قصيدة (تضحية الخيل)([37]):
يا ألله!
لقد وضعتني
في هودج الإيمان
أأنا محمولة
أم أنا التي أحملك؟
إنني أشكرك من أعماق قلبي
على الترياق
وأيضا على السم.
وحين تصل تنسى كل متاعب الطريق، تقول في قصيدة (قصر)([38]):
في أي ساعة مناسبة
بصرت بأبوابك المشرعة
وخطوت نحو النور
وأزحت الأستار المظلمة
ونسيت كل الآلام
في قدمي
وأنا أرتقي الدرج.
وحين عرفت الإسلام وخالطته وجدته شيئاً مختلفاً عما كان يُصور لها، تقول في قصيدة (مياه)([39]):
وفي الحقيقة،
الإسلام هو جدول من السلام،
تنبت فيه
طمأنينة خضراء.
أسبح في مياهه المنعشة؛
وأبحث فيه
عن خلاصي
مع البركات.
وتفرح وهي تتلقى تعاليم الإسلام، تقول في قصيدة (الطريق الصاعدة)([40]):
يا ألله!
إنني أتعلم
عناصر التقوى
خطوة خطوة.
وأجهد باستمرار
وفي عبادة مخلصة
أن أعشقك
أنت الذي ليس كمثله شيء.
ووجدت واحة الإيمان في وسط صحراء حياتها المحرقة، تقول في قصيدة (السراب)([41]):
هنا يروى عطش الحنين
ويطفئ غليل لأشواق؛
واحة الله،
الواحة التي آوتني.
وحين وصلت ارتوت من معين الإسلام وانطفأ عطشها، تقول في قصيدة (امرأة محظوظة)([42]):
الحب مجرد سراب،
أنت وحدك الذي
أطفأ عطشي.
وحينها أحست كم هي محظوظة([43]):
تلك التي اهتدت إليك؛
المختارة؛
ثريا!!
ثريا المحظوظة
فقد أحست أخيراً بالأمان، تقول في قصيدة (الجراد)([44]):
يا ألله!
ثريا اليوم
في حفظ وأمان.
الأمان الذي كانت تبحث عنه بين بني الإنسان فضلت الطريق، قبل أن تجده عند الله، تقول في قصيدة (قصر)([45]):
أنا ثريا
كنت فقط أبحث عن الأمان
بين بني الإنسان
وضللت الطريق
وتهت في الشعاب والوديان.
وحين وجدت اليقين أخذت تطمح إلى الخلاص الأبدي، تقول في قصيدة (الدرع)([46]):
إنني أنمو في نورك،
وفي هالتك النورانية أقف،
محاولة أن ألمس السماء.
5. تعويض الله لها عن كل ما فقدته:
لم يكن قرار إعلان الإسلام سهلاً بالنسبة للشاعرة التي ولدت ونشأت في بيئة هندوسية. وكان عليها أن تختار بين ربها الحق وبين الأهل والأصحاب والعشيرة، فحسمت أمرها واختارت الله، واستعاضت بصحبته عن كل الصحاب، تقول في قصيدة (الرفيق)([47]):
ألم أتخل عن كل هذا الحمق
وعن الأهل والجيران والمسكن،
والعلاقات والأصدقاء؛
يارب!
فأنت كل شيء،
الأهل
والصاحب.
وحين تركت الشاعرة كل المغريات واتجهت إلى الحي القيوم، أحست بأنس القرب من الله، وعوضها الله يقيناً تجد برده في قلبها، وحلت عليها البركات، فلم تعد تشكو من شيء([48]):
في عزبتي، الآن،
لا يوجد مخزن للحبوب فارغ.
السقوف عادت وضاءة،
لا توجد أبواب لم يدخل منها نورك
ولا توجد سرر ولا حدائق ولا برك
لم تباركها.
وهذا مسكني الأخير
هو لك.
ولمسات بركاتك يارب
تغمرني
مثل عبير الأزهار المنعش.
وهي تعد ما خسرته لا يساوي شيئاً مقابل ما كسبته من خلاص وطمأنينة، تقول في قصيدة (مملكة الله)([49]):
لقد خسرتُ
مجرد شهر عسل
ولكني كسبت
مملكة الله.
ولذلك فهي لا تحتاج إلا إلى الله، تقول في قصيدة (على الصليب)([50]):
يا ألله!
لا أحتاج سواك ملجأ.
وتدعو الله تعالى أن يحميها من الأشرار الذين يتربصون بها السوء([51]):
أبعدهم عني ياربي،
وارفعني إلى ملكوتك
يا ألله.
6. إيمانها الفطري بالله قبل إسلامها:
ترى الشاعرة أنها كانت مؤمنة بالله الأحد منذ طفولتها، وكانت تفتش عنه وهو بداخلها، حتى اهتدت إلى وجوده أخيراً. تقول معبرة عن إيمانها الفطري بالله، تقول في قصيدة (تجربة)([52]):
قالوا عني
بأني امرأة مزيفة كاذبة.
ألأنك نشأت في داخلي
مثل شجرة الخابور؟
وتؤكد هذا الإحساس الفطري بالخالق في لا شعورها قائلة في قصيدة (إنني في أمان)([53]):
يا ألله!
أنت الذي لا يخلف الوعود
أنت الذي كشفت لي
ملامح الحب الأسمى
يا مولاي!
وتصف نفسها بدوار الشمس الذي يتبع الشمس كيفما تسير، وكذلك كانت فطرتها السليمة تتبع الحق حتى وجدته([54]):
إنني دوارة شمسك
تغتسل في ضياء شمسك
لقد أحسست بك في منامي
وفي يقظتي.
وتصف وحدتها الموحشة قبل أن يؤنسها الإيمان قائلة في قصيدة (دوارة الشمس)([55]):
كانت وحدتي الموحشة
مثل الشمس في وحدتها
بينما كنت أتبع نورك مثل زهرة الشمس.
وتؤكد إيمانها بالله تعالى منذ طفولتها، ولكنها اليوم بعد إسلامها أصبحت له وحده، تقول في قصيدة (الاندماج)([56]):
نفحاتك يا من ليس له مثيل
تغمرني
وتتغلغل إلى أعماق روحي
واليوم
أدرك
أنني لك وحدك
فلك أركع وأسجد.
وتتحدث عن رعاية الله لها منذ كانت طفلة وكيف قادها إلى رحمته، تقول في قصيدة (رؤية العمياء)([57]):
يا ألله!
في الأزمان الغابرة
هل طرقت بابي
في أحلامي؟
وكنت في طفولتي
وصباي
ترعاني؟
وعندما كنت أسير
في الطريق إلى المعبد
والأوراد في شفتي
ألم تضعف حماستي؟
وعندما ناداني أقربائي
من الخلف
ألم تحم مسمعي؟
ألم تبحر سفينتي عل عجل
من مرفئها
إلى شواطئ جديدة؟
لم أتبلل بالأمطار الهاطلة،
ولكني تنقّعت
بالأمطار التي لم تهبط أبدا
لقد أعمتني
الدموع المتدفقة.
وتعتذر عن تأخر إعلان إسلامها قائلة في قصيدة (الاندماج)([58]):
يا ألله!
أولئك المسرعون
لتلبية نداء المؤذن
لا يستطيعون تفهم تلكؤي.
لأنها تعد نفسها مسلمة بالفطرة، قبل إعلان إسلامها بزمن طويل ([59]):
تلك التي فشلت أن تتعلم
عمق كلماتك
تلك هي أنا
ولكني أعرفك
وأسبح في بحار رحمتك.
وأمرح متغنية بجلالك
والبحار التي بها
كان لها دفء الدماء.
وتؤكد مرة أخرى على أن الفطرة بداخلها كانت مثل النبتة الصغيرة التي تحتاج إلى الدفء والماء والوقت حتى تنمو وتثمر، تقول في قصيدة (بذرة)([60]):
يا ألله!
لقد كانت فطرتك
كالبذرة في داخلي
ولقد ربَت في موسم المطر
وضمرت في جفاف الحر
ولكن بقيتَ
عبر العصور
فأنت لانهائي،
وأنت في غنى عن الوداع.
وترى الشاعرة أن الزمن لم يكن إلا قائداً لها يهديها السبيل إلى ربها، فكلما مر عام اقتربت من ربها خطوة، حتى وصلت، ولكنها لا تشكر الزمن بل تراه مجرد خادم مرسل من المولى عز وجل ليرافقها في رحلة الحق واليقين، تقول في قصيدة (الخادم)([61]):
أيها الزمن! من كنت
في حياتي الغابرة؟
ما كنت إلا مجرد خادم،
مرافق للحريم،
أخذني إلى رواق ربي.
وحين قطفت الثمرة نالت الخلود في ملكوت الله، تقول في قصيدة (بذرة)([62]):
ولكنها نمت
وأصبحت شجرة،
لها غصون وأماليد
وأعذاق من الزهور
ولقد قطفت الثمار الحلوة
وذقتها
وهكذا نلت الخلود
وباتت يد الفناء
لا تستطيع أن تلمسني.
ملامح صوفية
يقول المترجم عن قصائد المجموعة إن الشاعرة "لا تلجأ إلى لغة الصوفيين فقد كانت اجتماعية وإنسانية"([63]). وهو يقصد أنها لا تستخدم لغة الغموض والإشارات التي يكثر من استخدامها الصوفيون مثل النفري وابن عربي والحلاج. ولكنا مع ذلك لا نعدم وجود بعض الملامح الصوفية في بعض قصائد الديوان. من ذلك مخاطبة المولى بصيغة المحبوب، وهو كثير في أشعار الصوفيين خاصة رابعة العدوية وابن الفارض. فمن ذلك قولها في قصيدة (حبيبي)([64]):
فحبيبي هو ربي
الذي لا يتجسد.
وقولها في قصيدة (حرارة الحب وقسوته)([65]):
اليوم
أنت حبي الوحيد
وحافظي الفريد
بل نجدها تصرح بلفظ العشق، كما في قولها من قصيدة (الطريق الصاعدة)([66]):
وأجهد باستمرار
وفي عبادة مخلصة
أن أعشقك
أنت الذي ليس كمثله شيء.
ومن ملامح الصوفية في المجموعة تكرارها اسمها (ثريا) في كثير من القصائد، وهو ما يذكرنا بالشيخ عبد الرحيم البرعي الذي كان يجهد في إدراج اسمه في قصائده التي يتشوق فيها إلى الديار المقدسة، كما في قوله في قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
يا راحليـن إلـى منـى بقيـادي هيجتموا يـوم الرحيـل فـؤادي
وفيها يقول مضمناً اسمه:
فـإذا وصلتـم سالميـن فبلغـوا مني السلام أُهيل ذاك الوادي
قولوا لهم (عبد الرحيـم) متيـم ومــفــارق الأحــبــاب والأولاد
ونجد الشاعرة تضمن اسمها في عدة قصائد، فمن ذلك قولها في قصيدة (اعتذار)([67]):
إلى متى يا ربي
سيطول الانتظار
لهذه "الثريا" المسكينة
التي أدركت
عمق الحب
للوصول إليك
يا من ليس له مثيل؟
وقولها في قصيدة (امرأة ضائعة)([68]):
لستِ وحيدةً يا ثريا
إن حب الله العميق مثل نور القمر الناعم
وقولها في قصيدة (ابتسامات)([69]):
إنني أنا أَمتك ثريا
التي أجهشت ذات مرة بالبكاء
في آلآم وأشواق لا توصف
عند قدميك.
وقولها في قصيدة (المرايا)([70]):
يا ألله!
أنا ثريا اليائسة
التي تخيب توقعات الضيوف دائما؛
أنا السيئة الحظ المشؤومة أمد يديّ إليك
بسواعد مفتوحة.
وقولها في قصيدة (الجراد)([71]):
يا ألله!
ثريا اليوم
في حفظ وأمان.
ويطول بنا الحديث إذا حاولنا تتبع كل هذه القصائد، ويكفي أن نشير إلى عناوين بعضها: (الرفيق)([72])، (رأس السنة)([73])، (الاندماج)([74])، (خاتمة المطاف)([75])، (قصر)([76])، (امرأة محظوظة)([77])، (غزال المسك)([78])، (رؤية العمياء)([79]).
ومن ملامح الصوفية أيضاً قولها في قصيدة (حرارة الحب وقسوته)([80]):
يا ألله!
إنني لا أطمع
بجنة النعيم
ولست أرغب
أن أخفي ذنوبي.
وهي بذلك تذكرنا برابعة العدوية التي كانت تقول: اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها! وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني فيها! وإن كنت أعبدك لأنك تستحق أن تعبد لذاتك فلا تحرمني من النظر إلى وجهك الكريم.
معاني إسلامية
حفلت قصائد المجموعة بالكثير من المعاني الإسلامية التي لاشك أن الشاعرة قد اكتسبتها من تشربها للعقيدة الإسلامية، وإيمانها بها. فمن ذلك بعض العبارات ذات المعاني القرآنية مثل قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)([81]). تقول الشاعرة في قصيدة (الطريق الصاعدة)([82]):
وأجهد باستمرار
وفي عبادة مخلصة
أن أعشقك
أنت الذي ليس كمثله شيء.
وقولها من قصيدة (رؤية العمياء)([83]):
هذه الفتاة الممتلئة بالصبا
أدركت المقدس الذي ليس كمثله شيء.
وقولها في قصيدة (امرأة ضائعة)([84]):
لقد أُغمي عليك عند الباب
وأنت تجاهدين لترتقي تلك الدرجات الشاهقة
بأقدامك الناعمة الدامية
بحثًا عن رضى الحافظ الذي ليس كمثله شيء.
ومثله في المعنى (ليس له مثيل)، كما في قولها في قصيدة (الاندماج)([85]):
نفحاتك يا من ليس له مثيل
تغمرني
وتتغلغل إلى أعماق روحي
وكذلك قولها في قصيدة (يا من ليس له حدود)([86]):
تمحو حدود الأرض والأبعاد
فلا تحدّك الديار... والجبال.. والمهاد
لكنني أحويك في قرارة الفؤاد!
ففيه قبس من الحديث القدسي المشهور: "ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن"([87]). ولكن هل تسرب هذا المعنى إلى شعرها من خلال قراءاتها، أم توصلت إليه من خلال تأملاتها؟([88])، تصعب الإجابة عن هذا السؤال.
على أن المترجم ذكر في مقدمته أنها "في لمحات من قصائدها تكاد تقترب من التجسيد"([89])، وعزى ذلك إلى حداثة عهدها بالوثنية. وقد استدرك المترجم تلك الأخطاء وتجاوزها في الترجمة. من ذلك أن الترجمة الحرفية لأحد الأبيات حسب النص الإنكليزي كان ينبغي أن يترجم: "أهمس بعشقي في أذنيك" فجعلها المترجم في النص العربي: "أهمس بعشقي في ملكوتك"([90]).
ولعل الشاعرة استخدمت مثل تلك العبارات على سبيل المجاز، كما قولها، الذي لم يعترض عليه المترجم، في قصيدة (ابتسامات) ([91]):
إنني أنا أَمتك ثريا
التي أجهشت ذات مرة بالبكاء
في آلآم وأشواق لا توصف
عند قدميك.
خاصة أننا نجدها في قصيدة (حبيبي) تنفي التجسد عن الخالق([92]):
لا تحضر قلادة من الزهور
لأن حبيبي ليس له جيد
لا حاجة لترحاب بتنبول
فليس له فم للمضغ؛
فحبيبي هو ربي
الذي لا يتجسد.
خاتمة:
وهكذا تجولنا في ديوان (يا الله) للشاعرة المسلمة كملا ثريا، ورأينا كيف استطاعت ببساطة وتلقائية أن تعبر عن أشواق الروح وتجليات الحق، وهي تستعرض رحلتها من إلى الكفر إلى الإيمان ومن الشك إلى اليقين. فجاءت قصائدها تجيش بفرح الوصول ولذة اليقين، وبرد الإيمان، وصدق المناجاة، وضراعة الدعاء. فكان ديوانها بحق خير مثال للشعر الإسلامي الذي يعبر عن صدق التجربة، وجمال التصوير، وحسن التعبير عن الرحلة إلى الله. نسأل الله تعالى أن يتقبلها في الصالحين.
الهوامش والإحالات:
[1]- كملا ثريا: رنين الثريا، ترجمة: د. شهاب غانم، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (كلمة)، أبوظبي، 1432هـ/2011م
[2]- رنين الثريا، المقدمة، ص 15
[3]- رنين الثريا، المقدمة، ص 16
[4]- رنين الثريا، المقدمة، ص 17
[5]- رنين الثريا، ص 23
[6]- رنين الثريا، ص 24
[7]- رنين الثريا، ص 25
[8]- رنين الثريا، ص 66
[9]- رنين الثريا، ص 62
[10]- رنين الثريا، ص 74
[11]- رنين الثريا، ص ص 41-42
[12]- رنين الثريا، ص 93
[13]- رنين الثريا، ص 47
[14]- رنين الثريا، ص 84
[15]- رنين الثريا، ص 76
[16]- رنين الثريا، ص 85
[17]- رنين الثريا، ص 55
[18]- رنين الثريا، ص 26
[19]- السابق.
[20]- رنين الثريا، ص 28
[21]- رنين الثريا، ص 79
[22]- رنين الثريا، ص 52
[23]- رنين الثريا، ص 73
[24]- رنين الثريا، ص 70
[25]- رنين الثريا، ص 72
[26]- رنين الثريا، ص 51
[27]- رنين الثريا، ص 52
[28]- رنين الثريا، ص 90
[29]- رنين الثريا، ص 30
[30]- رنين الثريا، ص 77
[31]- رنين الثريا، ص 29
[32]- رنين الثريا، ص 49
[33]- رنين الثريا، ص 36
[34]- رنين الثريا، ص 92
[35]- رنين الثريا، ص 33
[36]- رنين الثريا، ص 37
[37]- رنين الثريا، ص 91
[38]- رنين الثريا، ص 64
[39]- رنين الثريا، ص 70
[40]- رنين الثريا، ص 83
[41]- رنين الثريا، ص 73
[42]- رنين الثريا، ص 66
[43]- رنين الثريا، ص 67
[44]- رنين الثريا، ص 52
[45]- رنين الثريا، ص 64
[46]- رنين الثريا، ص 75
[47]- رنين الثريا، ص 31
[48]- رنين الثريا، ص ص 31-32
[49]- رنين الثريا، ص 59
[50]- رنين الثريا، ص 81
[51]- رنين الثريا، ص 82
[52]- رنين الثريا، ص 39
[53]- رنين الثريا، ص 56
[54]- السابق.
[55]- رنين الثريا، ص 45
[56]- رنين الثريا، ص 57
[57]- رنين الثريا، ص 89
[58]- رنين الثريا، ص 56
[59]- رنين الثريا، ص ص 56-57
[60]- رنين الثريا، ص 60
[61]- رنين الثريا، ص 34
[62]- رنين الثريا، ص ص 60-61
[63]- رنين الثريا، المقدمة، ص 63
[64]- رنين الثريا، ص 33
[65]- رنين الثريا، ص 68
[66]- رنين الثريا، ص 83
[67]- رنين الثريا، ص 76
[68]- رنين الثريا، ص 28
[69]- رنين الثريا، ص ص 41-42
[70]- رنين الثريا، ص 46
[71]- رنين الثريا، ص 52
[72]- رنين الثريا، ص 30
[73]- رنين الثريا، ص 54
[74]- رنين الثريا، ص 56
[75]- رنين الثريا، ص 62
[76]- رنين الثريا، ص 64
[77]- رنين الثريا، ص 67
[78]- رنين الثريا، ص 79
[79]- رنين الثريا، ص 90
[80]- رنين الثريا، ص 68
[81]- سورة الشورى، الآية 11
[82]- رنين الثريا، ص 83
[83]- رنين الثريا، ص 90
[84]- رنين الثريا، ص 28
[85]- رنين الثريا، ص 57
[86]- رنين الثريا، ص 25
[87]- ضعفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" وقال: لا أصل له، وأروده ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"، وقال: مأثور، (موقع الدرر السنية: dorar.net)
[88]- د. شهاب غانم: الشاعرة الهندية كمالا ثريا والبحث عن الله، مجلة العربي، الكويت، ديسمبر 2010
[89]- رنين الثريا، المقدمة، ص 21
[90]- السابق.
[91]- رنين الثريا، ص ص 41-42
[92]- رنين الثريا، ص 33
المراجع
الموسوعة الالكترونية العربية
التصانيف
شعر شعراء أدب مجتمع