تكنّى ثلاثة من كبار الشعراء العرب، قبل نحو ألف وأربعمائة عام، بأسماء حبيبات لهم، وعرف كل منهم باسم فتاته، في سابقة لم تألفها الأنساب في زمن الجاهلية وصدر الإسلام؛ فصار قيس ابن الملوّح قيس ليلى، وحمل كثيّر الخزاعي اسم كثيّر عزة، أما ثالث الاثنين من شعراء الحب العذري هؤلاء فكان جميل بن معمر الذي اقترن اسمه بابنة عمه بثينة.
وأحسب أن حساداً ومنافسين غيورين لهؤلاء العشاق المعاميد هم من نسبوا الشعراء الثلاثة كلاً إلى معشوقته، ولا ضير في ذلك. فقد فاء فشل حبهم على الأجيال المتعاقبة بسلاسل طويلة من قصائد الغزل، وملأوا ذاكرة الأدب العربي بأبيات عذبة، وصور جميلة من التشبب بالمحبوبة، وغير ذلك من تجليات لوعة الفراق والعشق والهيام، لم تدانِها رقة سوى الموشحات الأندلسية فيما بعد.
وبالاستناد إلى هذا الإرث الشعري الخالد، ظلت أسماء ليلى وعزة وبثينة حاضرة بقوة في الذاكرة التاريخية، تتجدد في الخيال الشعبي، وتحتفظ بوقع رائق جميل في الأسماع عبر سائر الحقب الزمنية الماضية، حيث درج الكثير من الآباء والأمهات على تسمية بناتهم بمثل هذه الأسماء المحببة اجتماعياً، باعتبار أنها تسميات ملائمة لكل الأحقاب، في الحضر والريف والبادية.
وإذ أستعيد اليوم من خزانة الذاكرة أسماء المعشوقات الخالدات في دفاتر الشعر الطافح بعذابات الشعراء الفاشلين في الحب، يصدمني أن واحدة من بنات زماننا هذا حملت اسم بثينة بنت ربيعة، وتشرفت به، إلا أنها حطمت في لحظة واحدة ظلال قوس قزح ربيعي مديد، بشبهة الاشتراك في التخطيط لارتكاب فعلة إرهابية، خصمت كثيراً من رصيد الاسم المدلّه في حد ذاته.
وتشاء المصادفات البحتة أن يكون جميل (بن معمر) الذي ما إن يأتي ذكره حتى يحضر اسم بثينة الخزاعية رأساً، على وزن ميشال (سماحة) مستشار المستشارة بثينة شعبان، وهو الرجل المقبوض عليه بجرم نقل حمولة من المتفجرات، وذلك في ربع الساعة الأخير من موعد زرعها في موائد الإفطار الرمضانية ومواكب رجالات الدين في الأراضي اللبنانية.
حتى الأمس القريب، كان انكشاف العلاقة المرعبة بين ميشال الكتائبي الانعزالي، المتحول إلى مقاوم "قومجي" عتيد في محور الممانعة، وبين علي مملوك رئيس جهاز أمن العائلة المافياوية، أمراً مثيراً لدهشة اللبنانيين حقاً. أما أن تنجلي علاقة إرهابية بين هذا الميشال ومعلمته بثينة، فهو ما يمكن إدراجه في باب الصدمة الحقيقية، وتدوينه كعلامة فارقة في المسارات المتعرجة للأزمة السورية.
وهكذا تداعت الأسماء على قاعدة أن الشيء بالشيء يذكر، وتواردت الخواطر على رسلها بلا انتظام، وانعقدت المطابقات تلقائيا بين الألقاب والكنايات والأسماء، لاسيما بين جميل وميشال، بكل ما يحمله التطابق والجناس من مفارقات فارقات، وتباينات بيّنات، ومفردات كلام أحسب أنها لا تتزاوج فيما بينها إلا في السجع وميزان التفعيل وتشابه الإيقاع.
وعليه، فحين يمثل ميشال سماحة بعد اكتمال ملفه الجنائي أمام القضاء اللبناني بالجرم المشهود، ويتكشف ما في كنز حاسوبه الشخصي من مراسلات مع مشغليه في دمشق، ومكالمات هاتفية مسجلة لمعلمته بثينة شعبان، ولغيرها من كبار القتلة والمجرمين، فقد يكون من غير المبالغ فيه، ولو على سبيل التندر، إحلال اسم ميشال بثينة الإرهابي محل اسم جميل بثينة شاعر الحب العذري.
والحق أنني كنت في زمن سابق على الثورة السورية معجباً بشخصية بثينة شعبان، المرأة الفقيرة التي صنعت، مع كثير من المصادفات، حظها بنفسها. غير أنه حين ألقت بثينة تبعة بدايات الثورة على مخيم لاجئين فلسطينيين في درعا، تحطمت صورتها الذهنية لدي. ومما زاد من بشاعة شخصيتها مؤخراً، ما تيسر لي من مادة كتبها أحد أصدقائها المقربين، سرد فيها كثيرا من الوقائع الدالة على مكونات امرأة انتهازية مقيتة تثير الاشمئزاز.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي