وفق ما بثته صفحات التواصل الاجتماعي الالكترونية وقنوات المعارضة السورية، غداة استشهاد عبدالقادر الصالح؛ القائد الميداني للواء التوحيد، بدا من الواضح أن هذا الخبر الصاعق قد أثار حزناً، وبث أسى واسعاً في أوساط المقاتلين وقوى المعارضة، ناهيك عن مواطنين سوريين ملتاعين، أجمعت تعليقاتهم على الإشادة بهذا الشاب ابن الثلاثة والثلاثين عاماً، وعبّرت عن عميق فجيعتهم بخسارة قائد عسكري افتقدته ثورة الحرية والكرامة وهي في أمسّ الحاجة إلى هذا النوع من الرجال البواسل.
ومع أن الثورة السورية فقدت خلال الأشهر الطويلة الدامية، كثيراً من القادة العسكريين المرموقين، وخسرت أعداداً بلا حصر، يُقدرون بمئات الآلاف من شهداء وجرحى ومغيبين قسراً، قضوا في ساحات القتال وداخل أقبية التعذيب حتى الموت، فقد بدا الحزن الجماعي على رحيل عبدالقادر الصالح أبلغ مما كانت عليه الحال مع من سبقوه على هذا الدرب الطويل، إلى حد تسمية مظاهرات يوم الجمعة الماضية باسم "جمعة دماء الشهيد توحدنا"، في إشارة جلية إلى هذا الفارس الحلبي النبيل.
وأحسب أن عبدالقادر الصالح، الذي كان على رأس مقاتليه في تحرير الريف الحلبي، ثم في معركة تحرير نصف المدينة السورية الثانية، قد تربع منذ استشهاده في الموضع الذي يليق به في الذاكرة الوطنية السورية، وبات منذ الآن أيقونة من أيقونات هذه الثورة التي باتت عصية على الاحتواء، أسوة بغيره من النساء والرجال والفتيان، ممن قضوا نحبهم في ميادين المظاهرات، وساحات المواجهات، وداخل السراديب المعتمة، ليصنعوا بتضحياتهم الهائلة إحدى أعظم صفحات الثورة الشعبية منذ الانتداب الفرنسي.
ويبدو أن لكل ثورة عربية عبدالقادر خاصتها. إذ نجد أنه في سجل أهم ثورتين عربيتين في العصر الحديث، وهما الثورة الجزائرية والثورة الفلسطينية، كان هناك عبدالقادر؛ قائداً وفارساً وعلماً باذخاً، حفظت اسمه الأجيال اللاحقة. إذ تجلى الأمير عبدالقادر الجزائري رمزاً للمقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وبرز عبدالقادر الحسيني قائداً مشهوداً له في مقاومة العصابات الصهيونية. وفيما اعتقل الأول ونفي إلى دمشق وعاش فيها 27 سنة إلى أن توفي هناك، سقط الثاني شهيداً في معركة القسطل العام 1948، وهو على رأس قواته.
حين نُنزل عبدالقادر السوري منزلة سمييه: الجزائري والفلسطيني، كعلم سوف يبقى يروف إلى الأبد في الذاكرة الجماعية لأبناء شعبه، فذلك لأن ثالث الاثنين اتسم كسابقيه بكل سمات أبطال معارك الحرية والتحرير، وقاسمهم خصائل الإقدام والمروءة والسمعة الشخصية الطيبة. ولعل الحس العميق لدى السوريين بفجيعة الفقد لقائد ميداني أبلى أحسن البلاء على الخطوط الأولى، من حلب إلى حماة إلى القصير، كانت تحاكي تلك المشاعر التي غمرت نفوس الفلسطينيين غداة استشهاد عبدالقادر الحسيني.
وعليه، فإنه يمكن أن نطلق على عبدالقادر الصالح اسم عبدالقادر الثالث من دون تكلّف، وأن نرى فيه حلقة ذهبية أخرى في السلسلة "العصملية" المديدة، التي ضمت عدداً وافراً من القادة العسكريين المشهود لهم في الحروب ضد المستعمرين والمحتلين، أولئك الذين ضحوا بأنفسهم في عصر ما قبل ثورة المعلومات، من دون أن نعرف عنهم الكثير، فيما أتاحت لنا تقنية الاتصال الحديثة الوقوف على مزايا عبدالقادر الصالح في حياته الحافلة بالشجاعة والتواضع والانفتاح، ناهيك عن دماثته وخطابه المعتدل، ومساعيه لتوحيد قوى الثورة.
مبكراً فاز عبدالقادر الصالح بلقب الشهيد الذي تشعل حرارة دمه الزكي مشاعر النخوة لدى الثوار من طينته، وتقدم لهم مثالاً ملحمياً في التضحية والاحتذاء، كما تدفع بهؤلاء إلى أخذ العبر المفيدة من سيرة حياته ومن واقعة استشهاده. ولعل في مقدمة تلك الدروس، درس توحيد قوى الثورة التي استعادت زمام المبادرة مجدداً، تماماً على نحو ما بدا عليه مشهد هذه الثورة منذ لحظة سقوط هذا المحارب الذي سوف يظل السوريون يرددون اسمه بافتخار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي