بالكلام المباشر ودون مقدمات تمهيدية،تزخرف بها الكلمات وتنمق لها الأقوال (لا يمكن المغامرة في مستقبل الأردن). هذا القول في لغة الشعراء يجب أن يكون كلازمة شعرية تتكرر بعد كل بيت أو ثلاثة، وهي حداء الركب وزاد المسافر، وجرعة ماء العطشان،وماء الوضوء في النية والتطهر للصلاة، لأن الوطن مقدس وملك للجميع، لا وصاية لأحد عليه دون الآخرين، فحب الوطن فرض عين لا فرض كفاية، يولد هذا الحب مع الولادة ويتغذى بحليب الأمهات وينمو ويكبر ويتعاظم بشهامة ونخوة الآباء، رجال لا يستبدلون التراب بالمال ولو قطعوا من خلاف، بل يتفاخرون الرجال وتزغرد النساء عندما يضم هذا التراب جسد شهيد لفظ أنفاسه ويده تقبض على السلاح وعيناه شاخصتان للسماء فرحا ولسانه ينطق بترداد الشهادتين، ونفسه آمنة مطمئنة أن هذا التراب محمي مصان.
لقد مر الأردن بأزمات كبيرة وكثيرة ومتعاقبة، ونجا منها وأُنقذ، وخرج بأقوى مما كان عليه، بفضل حكماء رجاله، وصلابتهم، وصدقهم ولحسن نواياهم ونبل أهدافهم، حين كان جل همهم سلامة البلاد، وحين كان إجماعهم على رأي واحد لا ستة ملايين رأي،فعرفوا المطلوب، وأعدوا له العدة، كما يجب أن تكون، بواقع لا بخيال، وبهدوء لا بصراخ وضجيج، صغيرهم يوقر كبيرهم، وكبيرهم كله عطف وحنان، فتقهر الصعاب بالحلول، وعندها يقال خرجنا من المحن كما تخرج الشعرة من العجين، فانتصر الوطن بسحر ما أبدعته العقول لا بصراخ الأفواه والحناجر.
محيطنا ملتهب، وعمقه غارق إما بثورات وإما بمؤامرات تحاك، وعدو آخر قديم يتربص للانقضاض لأنه يعشق إتساع الجغرافيا ونهب المياه وتكسير العظام، ونريد نحن النجاة بهذا الوطن العزيز، فكيف بنا الآن ونحن لنا ستة ملايين رأي، لا رأي واحدا،والكل مزهو في رأيه ومعجب به ومسوق له ومنتقد لغيره ،لا بل مجّرح ومشكك،نريد الحكمة ولا نريد التهور والتقليد ولا تعدد الآراء ولا نريد أن يغني كل على ليلاه،فلا يمكن المجازفة والمغامرة في البلاد ومستقبل العباد.
بالعودة للحلول للنجاة بالوطن،وببساطة متناهية،ألم يكن للدولة هيكل تنظيمي؟الجواب نعم،أما وضع لهذا التنظيم واجبات واجبٌ تنفيذها؟ الجواب نعم ،ولكن السؤال الذي يحتار به الجواب ،لماذا إنحسر التنفيذ وضعف ممن أوكلت لهم هذا الواجبات ،فبدأ الفساد ينخر العظم بعد أن أتلف اللحم،ونهض ذاك الذي قابع في أحد الزوايا،مطلق عنان اللسان بسقط القول وفحش الكلام. أليس تنفيذ الواجبات شيء مقدس؟أمرت به شريعتنا السمحة (أنت على ثغرة من ثغور الإسلام فلا يُأتين بها من قبلك) إن تأدية هذه الواجبات ،كل من موقعه ومن حدود مسؤلياته هو تحصين للوطن ومنجاة له من غوائل العابثين والمتربصين، وأنه من العيب أن يعلق كل على شماعة الآخر ويتنصل من أداء ما استحق عليه.
الوطن لا يحميه الضعفاء،والحق يرعب الجبناء،الذي تاجه العدالة وتزينه المساوة، والمنكر يغير بثلاثةٍ متدرجةٍ متتتابعةٍ باليد واللسان والقلب،ولكنه لا يترك على هواه ليطغى ويستفحل،فلا نخشى من ردع الباطل ولو بالقوة، وهكذا تصان ممتلكات الأمة وتأمن الأم على رضيعها وترعى الشاة بالفلات،فإذا مورست الواجبات بالحق رضيت الأمة وكثر الأنصار والمؤيدين وقل الأعداء وانحسر المغرضين،وانتصر الوطن وانتصرت الحكمة وعم الرخاء،ونادى المنادي بصوت عمر ،عدلت فأمنت فنمت،يناديه كل مواطن ليلامس مسامع كل مسؤول في الدولة على اختلاف مواقعهم وجسامة مسؤلياتهم، ويغدو كل منهم إعانةً لا عالةً على الوطن.
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور