اليوم يحتفل الأردنيون جميعا، في الوطن وفي دول الاغتراب، بالذكرى الخامسة والستين للاستقلال، وهي مناسبة عزيزة يحتفى بها في يوم واحد في السنة، وينبغي أن تعاش كل يوم، وأن يتم إحياؤها وتجسيدها بما يعزز استقلالنا ويصون منجزاتنا ويحافظ على هذا الحضور الأردني البهي في المنطقة وفي العالم، ويدفع نحو المزيد من الإنجاز.
في هذا اليوم يمكن تبييض صفحات كثيرة في الحديث عن الإنجازات التي حققها الأردن في العقود الماضية رغم صعوبة الظروف ومحدودية الامكانات، ويمكن الاسهاب في وصف التميز الأردني في المنطقة، والمواقف الأردنية الواضحة تجاه قضايا الأمة، لكن كل ذلك ينبغي أن يكون أمرا عاديا وطبيعيا ومنسجما مع رسالتنا ومعبرا عن رؤية قيادتنا وقناعات مجتمعنا الذي يقبض على جمر عروبته في زمن الاغتراب والتحولات الصعبة.
وفي هذا اليوم نستعيد تضحيات المؤسسين والرواد الذين أعلوا بنيان الدولة، واستطاعوا بكدّهم وتضحياتهم الكبيرة أن يرسخوا حق هذا الوطن في الريادة والرفعة وصدارة الصفوف. لكن ذلك أيضا ينبغي أن يكون في صلب تكوين وعينا الجمعي، وفي ذاكرتنا الوطنية التي نعود إليها طيلة أيام السنة وليس يوما واحدا فقط.
نعرف ما حقق بلدنا في العقود الماضية، ونجل عطاء الأوائل الذين صنعوا الاستقلال والذين حافظوا عليه وحموه بالدم والعرق، وبالحكمة والإيمان بحقنا في الحياة وفي الصدارة. لكننا نعرف أيضا أن ذكرى الاستقلال هي مناسبة للمراجعة، وإعادة قراءة حاضرنا ورؤيتنا لمستقبلنا.
وإذ نحتفل بهذه الذكرى اليوم بكل ما يليق بها من إجلال، فإننا نقف أمام استحقاقات الاستقلال، وواجبات تعزيزه وحماية إنجازنا الوطني والبناء عليه، والعمل على تحقيق رؤية الملك في تقديم الأردن النموذج... وهو الأردن الديمقراطي والعصري والمنفتح على العالم، والعمل أيضا على حماية مجتمعنا من كل رياح السوء وصون وحدته الوطنية وتعزيز العدالة والمساواة في حياتنا وفتح الآفاق لأجيالنا الشابة، التي أثبتت تجربة الشهور الأخيرة أن لديها من الوعي الوطني ما لم نكن ندرك امتلاكها له.
نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى المراجعة، وإلى تلمس النواقص في تجربتنا الديمقراطية وإلى دفع حراكنا التطويري الحضاري الذي يقوده الشباب بألق وحب أبدي لهذا الوطن الأعز. ونحتاج اليوم، في ربيع العرب، إلى تطوير حوارنا الداخلي وتوسيع مساحته واحترام مخرجاته وتحقيق ما تقره لجان الحوار وما يمثل اتفاقا أو توافقا وطنيا.
ذكرى الاستقلال أكبر كثيرا من أغنية وطنية في إذاعة، أو قصيدة شعر في مهرجان خطابي، أو حفل تنظمه جهة رسمية...إنها تذكير بواجبات كبيرة لصياغة مستقبل أكثر اشراقا، وهي تذكير بقيمة العمل والجهد الوطني الواحد في مزارعنا ومعاملنا ومدارسنا وجامعاتنا ونقاباتنا وأحزابنا وحكوماتنا المتعاقبة، وهي أولا وقبل كل شيء دعوة للتعبير عن الولاء الحقيقي لهذا الوطن والانتماء الحقيقي لهذا التراب بالعمل الجاد من أجل بقائنا في موقعنا المستحق في صدارة الدول.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   فؤاد أبو حجلة