المناجاة هي حديث الهمس بين اثنين وهو المنهي عنه لعدم صلاحه وكثرة الشكوك فيه، يخالطه خفض الصوت وتقريب الأذن وهذا مؤشر على إسفاف الغاية ومرض الكلام ومصداق ذلك، قول النبي عليه الصلاة والسلام ((إذا كنتم فوق ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما)) وهذا الذي نراه في حياتنا الإجتماعية اليومية ، وفي شتى النشاطات والمواقع دون استثناء وكأنه أصبح آفة الساعة ومرض العقل ومنبع الفساد وتلوث الأنفس وانبعاث الضيق في الصدور وعمى للقلوب وتشتت في الخطى وعدم ارتكاز الحكمة وخفة في الرؤوس وذواب للقوة والهيبة وهذا هو الجانب السلبي للمناجاة.
غير أن هناك مناجاة من نوع آخر مستحبة ومقدسة تلك التي تكون بين العبد وربه في هجعة من الليل والناس نيام يطلب رضاه ويسعى للهداية وتلك المناجاة الأخرى التي تنصب في مصلحة الوطن، لمعرفة أسباب إصلاحه وإقالة عثراته وتقويم أمره ورفعة شأنه ورسم منهجه لحمايته وتحصينه، ودرء الغائلات عنه ، وتجنيبه كل مأزق وصونه من كل عبث وعابث، وتمتين نسيجه الاجتماعي في لحمة يضرب بها المثل وترويها الأجيال ويكتب عنها المؤرخون لتبقى شاهدا لكل العصور ، فهذه المناجاة بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان ووطنه هي الأفضل والأجمل والأنجع حين تكرس للوطن وعلاج همومه بعيدة كل البعد عن مناجاة الوسواس الخناس الذي لا يتحدث إلا بالشر ونفع الذات والبحث عنها.
الأيام التي نعيش مثقلة بالأحداث التي تنوء بحملها الأنفس الضعيفة التي سريع اصطيادها واللعب بعقولها وسوقها للمجهول وهي غافلة عما يخطط لها وينفذ من خلالها, فتذهب لخلود نومها ويصاحبها المناجاة التي تخمرت في عقولها وتنتظر اليوم التالي لتنفث سمومها بغوغائية هوجاء مستهجنة ، وعويل وصراخ من حناجر هي صدى أصوات هامسة في الخفاء تسير خلفها ، تلقي في روعها الباطل المزين بالحق وهم يتكاثرون يوما بعد يوم .
الفقر والجوع والحرمان والعوز ، الظلم والقهر والعنصرية, الشللية والمحسوبية، هي الباعث الأول لهلوسة الإنسان لنفسه، وهي أيضا الباعث لمناجاة الاثنين دون الثالث، وهي أيضا اسباب رئيسه لهتافات الحناجر، وهي ذات التأثير الأعظم في النفوس والمحركة لحراكهم بأسرع وأجرأ من تأثير المندسين بين الصفوف ، فكيف إذا تلاقت جميعها ؟ ! فبالتأكيد ستنقل الإنسان من المناجاة الى الهلوسة ، وسينتج عنها ما هو غير محمود.
همنا الأكبر هو الوطن، وكيف نناجيه هو فقط، وهذا هو الدور المناط بأهله الحكماء والنبلاء الأفاضل من الذكور والإناث بصوت مسموع دافٍ وفكر عميق، وشفافية صريحة لا تشوبها شائبة، ونوايا طاهرة وغايات نبيلة شريفة.
ليس الأردن بالجديد على الأزمات ، فتاريخه مليء، وقد كانت أصعب وأمر وأقسى ، ولكن أزماته أدارها النخبة من أهل العلم والمعرفة والخبرة، المشهود لهم بالنقاء والتقاء وصدق السريرة وصدق العلن، فخرجوا بأردنهم أقوى مما كان عليه، لأنهم بحكمتهم التي اكتسبوها بعراك الزمن وتعاقب سنينه عرفوا كيف يرسمون المنهاج لشبابه ليسيروا معه وليس ضده. ووصفوا لكل مرض علاجه الشافي وبهذا نجو ونجا معهم الوطن؛ ملاذهم وأمنهم ومستقرهم.
لك الله وأهلك يا وطن ، نصونك كما نصون الحياء من الخدش ، والكبرياء من الخضوع والأنفة من الذل، أنت عصي وسهل ممتنع في آن واحد، لأنك الأردن وأهلك النشامى ونظامك الهاشمي ، فهنيئا لنا بك يا أغلى وطن.
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور