لقد أودع الله من أسراره العظيمة، والمليئة بالحكمة والموعظة، في أضعف مخلوقاته وجعلها قادرة على الإتيان بما يستطيعه الإنسان، الذي أخذه الصلف والغرور، وينحى به مناحٍ طولاً وعرضا، فجعل الله العبرة في سلوك الطير والحيوان وبعضاً من ممارستها ، ليستفيد البشر من إيجابياتها ويبتعد عن سلبياتها، فكان أن أودع في القردة عادة العبث بالتراب ونبشه ليدفن فيه ما يراه ويلهو به عدا الماء والغذاء، هذا الحيوان الذي تحدثت عنه بعض النظريات الخاطئة والتي ثبت عدم صحتها وقبولها بأنه أصل الإنسان، فحين عُرفت عنه هذه العادة وهذا السلوك، جاءت الحكمة والمثل على لسان العرب فقالوا ((لا تنثر ذهبك بين القردة)) والمعنى المقصود واضح كل الوضوح.

الأفكار الكبيرة والجليلة والهادفة والبناءة، التي تصب في رفعة الوطن وعلو شأنه، هي كالذهب الموصوف بأنه جوهرة المعادن، الذي يرتفع ثمناً وقيمةً مع تعاقب الأيام ومرور الزمن، وهو الذي لا يصدأ مع تعريات الطقس وتقلباته، والأفكار الجليلة هذه يُجل صاحبها ويُحترم ويتقدم على كل الصفوف، ولا تُعطى ولا تُرمى بين أيادي ومسامع من هو غير قادر على تنفيذها بكل حزم وإرادة وطيبة وحسن نية، وكذلك لا تُعطى للعابثين بها، سود النوايا، الملوثة نفوسهم بمرض الطمع والجشع والتملك، المستأجرين بأبخس الأثمان والمغذيين بأسوء الأفكار، ذات السموم، التي أينما نفثت، أصابت وآذت الأبرياء الصادقين، الذين أخذتهم براءتهم وصدقهم الى تصديق ما يسمعون ويرونه بعيون لم تعهد في حياتها التقلب والزوغان واللمعان والبريق، تعمل كما تأمرها خلجات الأنفس المضطربة والضمائر المليئة بالحسد والصدور الفارغة من الإيمان وحب الوطن.

جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، أعطاه الله من فضله عطاءً سخياً، فمنحه حكمةً ومنحه شعبا واعياً، فحكمته أتت من ذكاءه والصدق في أفعاله وطيب السريرة وطهارة النية ثم هي إرث تورثه من حكيم تربى هو على يديه ذاك هو والده الراحل العظيم الذي يشهد له العالم بأنه الرجل الأول في علاج الشدائد والأزمات في شتى بقاع الدنيا، وشعب واعٍ حمى الوطن والعرش من كل النائبات والعاصفات منذ تكوين الدولة بتماسكه وتلاحمه ورصه للصفوف وإغلاق الثغرات والفجوات بحكمة وخبرة وممارسه، ندر أن تجد مثيلا لها في شعوب تحدرت من جنسيات شتى، ولكننا مع هذا كله ومع كل هذه الصفات الطيبة النادرة الوجود، لا نخلو من العتب على بعضنا البعض ومسائلة أنفسنا عن بعض الفرص التي أضاعها نفر من بين صفوفنا وكما سأشير لاحقا.

لقد جاء الملك عبد الله الثاني منذ توليه سلطاته الدستورية بمجموعة كبيرة من الأفكار المتتابعة المتطورة والعصرية الحديثة، التي سترتقي بالأردن الى مواقع متقدمة بين أقطار المنطقة وحتى العالم وغير مسبوقة بهذا الحماس والاندفاع، وسابق لغيره من الحكام والشعوب التي نادت بالإصلاح بعد عشر من السنين، وأتى بالأفكار هذه ومعها عوامل نجاحها إن محلياً وإن عالمياً، ولم يألو جهداً في امتطاء الأخطار والمخاطر تحقيقاً لنجاحها وتنعيم شعبه في رغد العيش، ولكن البعض من هذه الأفكار لم تر النور وأُحبطت بأسباب تباطؤ وتواكل من أوكلت إليهم مهمة التنفيذ، إما لقصر فهمهم وتأهيلهم أو مزجها بسوء أفكارهم وسواد نواياهم التي أدخلتهم باب الفساد ليعبثوا بهذه الأفكار المترجمة الى مشاريع البناء والإعمار والتقدم الى محطات للتساؤل من قبل الشعب والغمز واللمز، والعيب كله ينحصر بالمنفذين، والطيب والخير كله لصاحب الأفكار جلالة الملك.

العديد من المشاريع التي أمر بها الملك، أين هي ولماذا لم تفهم أهدافها ومراميها، فإسكان المعلمين الذي غيبت شمسه بعد سطوعها، وفرحت الملايين التي قُلبت الفرحة الى ضدها، كانت أمناً ورخاءً تمتد لأجيال قادمة وليس لجيل واحد، وهي باعث طمأنينة المعلم وشاحذ همته وعطاءه الزاخر الذي سينعكس على الطلبة الدارسين الذين سينهلون العلم من منابعه الصافية بحب ورغبة وحماس من كل أطراف التعلم، ألم يكن في هذا المشروع إحياءٌ للنفس البشرية وإحياءٌ للأرض الميتة التي سيدب بها الحراك والأرزاق عند تزاحم الأقدام، فمن الذي أماته أو نحى به منحى آخر وبمنهج غامض.

أليس جميلاً أن نعترف بالحق والصواب وسداد الرأي، حين اختار الملك المناطق التي ستقام عليها المشاريع الكبرى كقيادة الجيش والمدينة الطبية وغيرها في أماكن بعيدة عن المدن من أجل أن تحيا مدن جديدة، تكون أكثر نقاءً للهواء والبيئة، وأن تمتد الحياة العصرية الى نسيج من الشعب كان محروما من رغد الحياة ومتطلباتها العصرية، ولشبابها الناشئ ليواكب الحضارة من نعومة أظفاره ورؤياه للنور، ثم هي حفاظ على ارواح المواطنين من كثرة الحوادث التي تجاوزت في عدد قتلاها وجرحاها عدد ما أنتجته المعارك الطاحنة التي تستخدم أفتك الأسلحة وأشدها تأثيراً، فمن تلاعب بهذه الخريطة المرسومة بصدق وعمق وإنتماء و ولاء لهذا الوطن وشعبه من قبل مليكه مباشرة دون سواه، فإن كانت هي البطانة بالرغم من أن ببعضهم الصلاح وليس كلهم سوء، فمنهم من لاقى مصيره ومنهم من يحتضر، وكل متسلق سيؤول للسقوط وإن علا، لأنه لا نية صالحة له تحميه، ولا كفاءة وجدارة تقيه، فهو كالعنكبوت ينسج في أماكن بعيدة عن النظر، في خلوة واختفاء وبأسلوب الإقتران المتشعب كما في علم الرياضيات. ولكن ضوء الشمس واصله إن عاجلاً وإن آجلاً ولن يصح إلا الصحيح، وأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، فسبحان الذي خلق من كل شيء أشكالاً وأنواعاً وطبقات، ولكن الذهب يبقى ذهبا.

لا أُسوق لأحد ولا أبيع بضاعة ولا أُزخرف كلاما ولا أُنمق حديثاً ولكنني أُقر حقائق وأعترف بجميل وأرده لصاحبه وأهله، فقد نادى الملك بالإصلاح وأكده وطلب الإسراع بإنجازه، قبل أن تُحدّث الشعوب بنفسها، وليس بدافع من لهيب إنفجارات الحناجر وصراخها في بلدان تكاثرت أحداثها، نزفت دماؤها ونحبت نساؤها وشرد أطفالها وخارت عزائم شيوخها، وكان عطفه وإنسانيته نبع متجذر به وليس رياءً أو خدعة يراد بها كسب الوقت للقفز الى تحقيق الرغبات الشخصية ودسائس سياسية، بل هي شفافية لا لبس فيها، يحس بها الأعمى قبل البصير، وحتى لا ينجح المشككون والمرتابون ليحققوا أهدافهم، ويسيئوا الظن باستبدال النور بالظلام، نقاوم باطلهم وندفعه بالحق والعدالة ونعلن للملأ أن ليس منا أردني يسيء الظن، فنحن جسد واحد وعقل واحد وليس بيننا مكان لمندس آثم أو متسلق فاسد.

حمى الله الأردن وشعبه ومليكه


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عبير الزبن   جريدة الدستور