التهبت النيران وزاد سعيرها، وفي الظلام الدامس لمع وميضها في كثير من الدول في هذا العالم، خلال عام كامل انصرم، ذهبت أيامه وأحداثه، فهُزت قلاع كانت محصنة واقتلعت رواسٍ متجذرة، منذ عقود عدة، وعصفت رياح السموم، ابتلعت أرواحٌ طاهرة، لم تميز بين مسن كهل ولا صبي يافع، وبقي الأردن شامخا عملاقا، يعلو ويسمو، ويزداد بهاء ونضارة، لم تشهد أرضه وترابه دماء، ولم تخترق سماءه أصواتُ الأزيز، ولم يروع طفل ولم تثكل أم ولم يحزن أب.
كل هذا في المملكة الأردنية الهاشمية الآمنة بحمد الله، لأن بها ملكا عادلا ونظاما سياسيا واعيا وأهلا كراما، لحمتهم واحدة جعلوا من الأردن أعظم الأوطان، الموصوف أهله بالأخلاق والعلم، فضلاء نبلاء لا يجور أحدهم على الآخر، لا تعرف عيونهم نظرة الغضب، ولا تعرف قلوبهم الحقد والحسد، بل هي العامرة بالإيمان بالله والوطن، وعلى هذا يشهد العدو قبل الصديق والبعيد قبل القريب.
هتفنا في الصباح الباكر في كل يوم وتحت العلم، في المدارس وببراءة الأطفال ( نادت الأوطان فلبينا الندا) وانغرس هذا النداء في القلوب كما هو النحت في الصخر لا تمحوه الأيام، فتملك منا الوطن القلب والروح فكانت له قداسة تنحني له الهامات احتراما واجلالاً، وتدمع له العيون حبا وفرحا، وهكذا أثبتت الأيام وكسبنا الرهان، نحن أهله المخلصون، حين ظهرت بعض أصوات النشاز من خارج الوطن، وردد أصداءها نفرٌ يسير يدعي الانحسار والتراجع في الولاء والانتماء، والانشقاق في الصفوف، والاختلاف بالآراء، والانهزام بالروح، والانهيار بالاقتصاد، والازدياد بالجوع، فخاب ظنهم ورد كيدُهم الى نحرهم، وبقي الأردن شامخا عملاقا.
في كثير من دول العرب هبت الشعوب تطالب بالإصلاح، وتصدى لها حكامها بالسلاح، حتى بلغت الحال بهم الى إعلان النفير باستخدام أبشع أنواع السلاح والعتاد، بل زاد ذلك الى استخدام عناصر مرتزقة، منحوهم طائل الأموال، إلا المملكة الأردنية الهاشمية، التي سبق مليكها شعبها وقاد الإصلاح بقوة وثبات، بحماس وقناعة إيمان ورغبة شديدة، فطال الإصلا ح العديدَ من بنود الدستور، وقانونَ الانتخاب نيابية وبلديات وأحزابا ومحكمة دستورية وهيئة عامة للانتخابات، لتطهير واجتثاث الفاسيدين الذين عبثوا بالمال العام ونهبوا وسرقوا فكان الملك والشعب والعدالة لهم بالمرصاد حتى تعود هذه الأموال الى خزينة الدولة وينتفع بها أهلها الشرعيون، وتم الحفاظ على الأردن شامخا عملاقا.
ذهب العام 2011 بكل ما ألقاه من ظلال وحرور، من غيوم وأمطار، من أفراح وأتراح، ذهب مع كل المتناقضات والمتضادات، هز غرباله وكرباله فسقط الزوان وبقي القمح لامعا كالذهب والدرر، ثبتت شعوب وسقطت حكومات وانسحقت رؤوس طغاة بأبشع ما يمكن أن يتصوره الإنسان، وبقي الأردن الشامخ العملاق، بكل تواضع الكبرياء ، ونحن بهذا نفخر لأنه لم يحدث ذلك من فراغ بل كانت أسبابه واضحة جلية وضوح الشمس في كبد السماء، فهم مرة أخرى شعبه ونظامه، الذين لا يفصل بينهما مندس أو عابث أو عميل.
نستقبل العام الجديد 2012، ونقول لبعضنا البعض: كل عام ونحن بخير وأردننا العزيز الغالي بألف خير، ننعم بالأمن والأمان، نلقى بعضنا في المواسم والأعياد فرحين، لا ينغص علينا هناءة حياتنا منغص، لأننا وضعنا وطننا ومليكنا بالعيون وأغمضنا عليهما الجفون وأحطناهما بسياج منيع من التماسك الاجتماعي منقطع النظير الذي يعز ويندر مثيله في مكان آخر.
حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور