لا ملمح للدبلوماسية في حديث رئيس الدبلوماسية السورية وليد المعلم، وتصريحاته التي تجاوزت حدود التعبير عن الموقف السياسي إلى إطلاق التهديدات في كل الاتجاهات. وقد عبرت هذه التصريحات المنفعلة التي أطلقها في دمشق عن عمق أزمة النظام الحاكم، كما عبرت عن قطيعة نهائية بين هذا النظام والخطاب الدبلوماسي الرصين الذي يعلي مصلحة الدولة على مصلحة النظام أو المجموعة الحاكمة بقوة الرعب.
في لقائه مع وفد وزراء خارجية مجموعة "البا" حرص المعلم على تجاوز المألوف في الخطاب الرسمي الموجه إلى الخارج، وبدا وكأنه يخاطب مجموعة من المعارضين المعتقلين في مركز أمني سوري، واستسلم لحالة من الانفعال بلغت حد الهيجان الذي تجلى في إطلاق التهديدات والشتائم لكل من يعترض على قمع النظام لشعبه.
اعتبر المعلم، أمام وزراء خارجية يمتلكون قدرا كبيرا من الوعي والحصافة، أن الجموع الشعبية الكبيرة التي تشارك في الاحتجاجات المتواصلة المطالبة بالحرية وبالخلاص من قمع النظام وبطش أجهزته الأمنية والعسكرية "مجموعات إرهابية مسلحة" تفجر العنف وتغتال الشخصيات الوطنية ويقوم الغرب بتمويلها وتهريب السلاح إليها. ولم يكتف بالتشكيك في "المجلس الوطني السوري" المعارض بل هدد أي دولة تعترف بهذا المجلس بـ"إجراءات صارمة" نحمد الله أنه لم يفصح عن فحواها. أما الدول التي تشهد عواصمها احتجاجات أمام السفارات السورية فقد كان المعلم واضحا تماما في تهديدها بإجراءات مماثلة أمام سفاراتها في دمشق، مشيرا إلى أن حكومته لن توفر الحماية الأمنية لهذه السفارات.. خطاب دبلوماسي متميز في هدوئه وعقلانيته!
أطلق وزير الخارجية السوري صلية من التهديدات طالت أطرافا في الداخل والخارج وشملت دولا عربية وأجنبية بدون مراعاة لحساسية الوضع السوري الداخلي الذي يتطلب قدرا كبيرا من الهدوء والخطاب العقلاني البعيد عن الانفعال والاتهامية، ولغة الدم والبارود التي لا تليق إلا بخطابات الحرب. ولم يكن ما قاله المعلم استعراضا للقوة أو محاولة للإيحاء بقوة الدولة وصلابتها أمام "المؤامرة"، بل كان الرجل يتحدث باعتباره جنرالا دبلوماسيا في جيش نظام يخوض حربا حقيقية ضد شعبه.
هذا ما فهمناه من تصريحات السيد الوزير الذي ينبغي أن يعرف بدقة صعوبة ما يواجهه نظامه وخطورة الانسياق في الرهان على الحل الأمني (تحول إلى حل عسكري) في مواجهته للمعارضة التي لا تختصر نفسها في مجلس أو تشكيل يجتمع في اسطنبول بل تجسد حضورها القوي في الشارع من خلال المسيرات التي تعم المدن السورية، ويواجهها الجيش بالدبابات والطائرات.. وبالشبيحة أيضا.
إنها نقطة اللاعودة في قرار النظام بالحسم العسكري، وهي فلسفة "أنا أو الطوفان" تلك التي تدفع وزيرا للخارجية إلى تهديد عواصم في الغرب وفي الشرق في لحظة حرجة لا يستطيع فيها تأمين الداخل السوري!
بهذا الهذيان كان ينطق المسؤولون في نظام العقيد المطارد معمر القذافي، قبل أن ينهار النظام وتقع ليبيا فريسة لاحتلال أجنبي بغيض، وبهذه اللغة كان يتحدث ولاة الأمر في دول يغرق بعضها في الدم، ويستسلم بعضها لخطوط الخرائط الجديدة التي تقسم البلاد بين عرب وعجم وكرد. لكن يبدو أن السيد الوزير لا يحب المقارنات ولا يقبل التشابه لأن نظامه الحاكم هبة من الله للبلاد وللعباد!
تهديدات السيد الوزير لا تخدم أحدا غير المتربصين بسورية الذين يريدون الانقضاض على الدولة من خلال النوافذ التي تفتحها نواقص النظام والأبواب التي تفتحها أخطاؤه وخطاياه، وتهديداته الصوتية للعالم.
باختصار.. خطاب المعلم لم يكن ضربة معلم.
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة