عشت في بريطانيا قرابة العشر سنوات، حيث درست وعملت وتزوجت من بريطانية الأصل والجنسية، وتمتعت بكل حقوق المواطنة بما في ذلك حق العمل وحق الانخراط في النشاط النقابي والسياسي، لكنني لم أتقدم بطلب للحصول على الجنسية البريطانية التي كانت تمنح بسهولة كبيرة لمن يطلبها ويستوفي شروطها في السبعينيات من القرن الماضي.
ذلك لا يعطيني حق المزايدة على الآخرين والادعاء باحتكار الولاء والانتماء والاعتقاد بأن من حقي على الدولة أن تقدمني على أقراني، فأنا لم أشعر يوما بأنني أكثر انتماء وولاء من الأصدقاء الذين حصلوا على الجنسية البريطانية، ومنهم من عاد الى البلاد ومنهم من اختار العيش في المهجر من دون أن يقطع تواصله مع الأهل في الأردن.
كان لكل منهم أسبابه ودوافعه الحياتية للحصول على جنسية أخرى، ولم أشعر أن أيا منهم أقل حبا لهذه الأرض المباركة أو غيرة عليها. بل إن الكثيرين كانوا يجسدون انتماءهم للأردن بما يحققونه من انجازات وتفوق يسجل دائما باسم صاحبه وباسم منبته الكريم. وإذا كان ممكنا رصد انجازات العرب في المهاجر، فإن الأردنيين سيتصدرون قوائم الإبداع العربي في الطب والعلوم والاقتصاد في أوروبا والولايات المتحدة وكندا، وليس في هذا التقدير أي مبالغة.
بالطبع، لا يمكن اختصار تجسيد الانتماء بتحقيق الانجازات الكبيرة في بلاد الغير، لكن الكثيرين من الأردنيين الذين يحملون جنسيات أجنبية ساهموا وما زالوا يساهمون في دفع وتطوير حياتنا الاقتصادية والسياسية مستغلين خبراتهم وقدراتهم المتميزة في مجالات يقتضي التقدم فيها الانفتاح على الثقافات والمجتمعات الأخرى.
لذا يبدو وغريبا، بل ومستفزا القفز الى استنتاجات لا منطقية تقود إلى التشكيك بولاء هؤلاء العائدين بقرارهم وبخبراتهم، مدفوعين بحبهم وحنينهم للأردن، والسعي إلى حرمانهم من خدمة الدولة في مواقع متقدمة. كما يبدو غريبا ومثيرا للقشعريرة تخوين مواطنين لمجرد أنهم يحملون جوازات سفر أجنبية، لم يتنازلوا مقابلها عن جنسيتهم الأردنية.
من حق الدولة دائما أن تجدد تشريعاتها وقوانينها، ومن واجبها أن تطبق هذه القوانين على الجميع، لأن المواطنين كافة سواسية أمام القانون. ولا يمكن التراجع عن قانون مر في كل مراحله التشريعية لمجرد أنه يضر بمصلحة شخص أو مجموعة من الأشخاص مهما علا شأنهم. وبعد أن أصبح منع ازدواجية الجنسية للوزراء والأعيان والنواب وكبار المسؤولين قانونا نافذا، فإنه لا يجوز استجوابه الآن أو العمل على إعاقة تطبيقه، لكن الاستئناس برأي المجلس العالي لتفسير الدستور في شأن تفاصيل محددة يبدد سوء الفهم ويزيل الالتباس، وهذا ما فعلته الحكومة التي أرادت الاطمئنان الى عدم تجاوزها على القانون بوجود وزيرين فيها أعلنا تخليهما عن جنسيتيهما الأجنبيتين، فقدمت سؤالا إلى المجلس تحدد الاجابة عنه مصير الوزيرين في العمل العام.
لا اعتراض على ذلك، وإن كنت أشعر أن الشاعر الصديق جريس سماوي يستطيع خدمة الثقافة من موقعه كوزير لها أكثر من وزير آخر لا يمتلك جنسية ثانية.. وربما لا يمتلك ثقافة كافية.
دعونا نحترم القانون، ودعونا نحترم بعضنا بالابتعاد عن لغة التخوين خاصة وأن بعض أصحاب الصوت العالي والناشز من الذين يعيشون على تجارة الاتهامات يطلقون اتهاماتهم من واشنطن ونيويورك وميتشيغان حيث يعيشون منذ سنوات بعد حصولهم على الجنسية الأميركية التي يعتقدون أنها تحمي "الطخ" علينا من هناك. هؤلاء لا يتورعون عن اقتراف جرم التشكيك بمزدوجي الجنسية، لأنهم يعانون من مرض ازدواجية الموقف.
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة