كلمة حوار مستحبة في اللفظ والهدف، فلفظها هين ولين خفيف، وغايتها نبيلة وهي الوصول الى الحق، ومن محببات هذه الكلمة أنها وردت في القرآن الكريم مرارا وفي الأحاديث النبوية، وكانت هي الأمثل بدلا من كلمتي الجدال والنقاش، اللتين تقودان لغير نتيجة.

والحوار في أساسه ومن فضائله أنه يرتكزعلى الدليل والبرهان والاحتشام باللفظ، بعيدا عن العنف والقسوة، مبني على درء الحجة بالحجة، وتنتصر الحجة الأفضل المليئة بالفضائل والهادفة الى الإصلاح، والحوار أيضا مبني على المنطق، والمنطق يفرض نفسه على العالم والجاهل، ويقنع الكبير والصغير، وبغير ذلك يتحول الى جدل ونقاش مرذول ومذموم.

الحوار الذي يتسم بالغرور والتحدي مرض معد، يجب تجنبه، وهو دال على عقل صاحبه ونيته، ومخزون باطنه، يظهر بفلتات لسانه، فالمرء يستدل عليه بعقله وبصدق فعله، وقد قيل في سالف الزمان (إن العاقل اذا همّ بقول السوء أحجم) فالمراد من الحوار مرة أخرى، إظهار الحجة وإثبات الدليل بالحق، ودرء المفسدة والابتعاد عن الشبهات، فمن وقع بالشبهات وقع بالحرام.

من فوائد الحوار الهادف، أنه باعث لآراء الآخرين، الذين يغذونه بالأفكار الرافدة له لبلوغ النضوج والوصول الى الخير، لأنه غير منفر للسامعين، لابل جاذب لهم برغبة ومحبة وطمأنينة، فهومحرك لبواعث الخير في النفس البشرية، لتعطي عطاء زاخرا غير محدود، وتخرج طاقات كامنة مخبوءة ما كان يعرفها صاحبها الا حين النطق بها.

إن للحوار ضوابط وشروطا وقيودا، فهوكالصورة المحاطة بإطار، يحدد جوانبها، ويسهل نقلها وتحريكها، فلا يجوز أن تكون الغاية منه التحدي وحب الظهور، وإشباع الأنا وحب الذات، وأن لا يكون وسيلة الى خلق فتنة أوشقاق، وأن لا يلبس الباطل ثوب الحق، فالأصل في الحوار كسب القلوب والعواطف والعقول معا، ولأن حوار المعرفه مدعاة لجلب احترام الآخرين حتى وإن خالفوا الرأي فيك.

ثم إن الانفعال بالحوار، وعدم ضبط النفس وكبح جماحها، عمل غير محمود، وعواقبه وخيمة، فما ينفعل محاور إلا نتيجة لضعف حجته، وتستر عليها بالانفعال والضجيج، أما عدم الانفعال فيعني الثقة بالنفس والثبات بالحق، والاتزان بالقول والفكر، وإن الابتعاد عن التغني بالماضي وبالأمجاد السابقة، والزهو بالنفس لباعث على الملل والضجر لسامعيه ومكثر لأعداد ناقديه.

من الأفضل -إن استطعت- أن توقف الحوار إذا خرج عن مضمونه ومدلوله وغايته المثلى، وضاعت بوصلة التحكم بالاتجاه، وغابت عنه عوامل السيطرة تماشيا مع الحكمة، درء المفاسد أولى من جلب المنافع وهذا ما نأمل أن نراه في مجلس النواب الموقر، وهم السادة والنخبة، أثناء حوار الجلسات التي تعالج شأن الامة، والامة مرهون مصيرها في نضج حوارهم، لأنهم موكل لهم الرقابة والتشريع وهم أيضا القدوة للذين يمتطون بعض الشاشات في حوارات الحراك الشعبي ليبرروا أسباب مسيراته واعتصاماته التي أرقت مضاجع أفراد أمننا العام، أعانهم الله على اداء مهامهم، وأخذت تؤذي غالبية المواطنين في بيوتهم ومواقع عملهم.

حمى الله الاردن وشعبه ومليكه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عبير الزبن   جريدة الدستور