تقدر وزارة المياه والري حجم سرقات المياه بنحو سبعين مليون متر مكعب يتم سحبها كل سنة من الآبار المخالفة (الارتوازية) التي حفرها متنفذون لري مزارعهم وتشغيل مشاريعهم، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الحصول على تراخيص رسمية، ولم يكترثوا لتفاقم مشكلة المياه في بلد يعاني أصلا من شح المياه ويقع بحسب الدراسات والتقارير الدولية المتخصصة، ضمن أفقر خمس دول في العالم بالمياه.
دراسات الوزارة تؤكد أيضا أن الكمية المسروقة سنويا من ماء شربنا تعادل ما يمكن أن يوفره مشروع الديسي عند اكتماله وتشغيله بعد عمر طويل. وبينما تتحمل الدولة مسؤولية توفير الكلفة المالية الكبيرة لإنجاز مشروع الديسي، فإنها لا تحصل فلسا واحدا من الأثمان الشرعية لمياه الآبار المخالفة.
إنها صورة أخرى للفساد الذي يستشري في شرايين حياتنا، فالحكومة تعرف أين تقع هذه الآبار وتعرف من يملكها، وتختار الصمت على السرقة لأن أصحاب الآبار من ذوي الأوزان الثقيلة، وهم الذين يَسألون (بفتح الياء) ولا يُسألون (بضم الياء)، ويستمرون في نهب مواردنا المائية المحدودة عقدا بعد آخر.
في العام 1992 وصلتني قائمة بأسماء أصحاب هذه الآبار، ولم أستطع نشرها لسببين أولهما أن أحدا في الوزارة أو أي جهة مسؤولة لم يؤكد أو ينف صحة القائمة، وثانيهما أنني استسلمت للخوف من الأسماء التي تعدت في ذلك الوقت حدود فرض هيبتها إلى توطين الرعب في قلب من يفكر بالتصدي لتجاوزاتها.
منذ أكثر من عشرين عاما تتناول الصحافة المحلية موضوع سرقة المياه بخجل وبالكثير من التعميم، وكأننا نتحدث عن مجهولين أو مخلوقات هبطت علينا من كوكب آخر لتحفر آبارا غير قانونية في أرضنا ولتسرق مياهنا الجوفية.
لكن الصحافة لا تُلام وحدها في هذا الملف؛ لأن التمنع عن كشف الحقائق ما يزال قائما، ولأن الجهات المسؤولة ما تزال مستسلمة للخوف من بطش أصحاب النفوذ المبلل بماء الآبار الارتوازية. لذلك يظل الملف مفتوحا وتظل الأسماء سرية ويواصل بعض أصحاب هذه الآبار التنظير علينا وإعطاءنا دروسا متلفزة عن الانتماء والإخلاص للوطن.
تغير الحال، ولم يعد ممكنا القبول بهذا التواطؤ لحماية نفر من المتنفذين الذين تجاوزوا على حق الدولة عشرات السنين، وكانوا مطمئنين إلى قناعتنا بالقليل واكتفائنا بحصة للفرد لا تزيد على بضعة لترات من مياه الشرب يوميا. وربما حان الوقت لأن تكف وزارة المياه والري عن الشكوى، وأن تقدم المخالفين للقضاء، أو أن تعلن عجزها عن ملاحقتهم.
لا أعرف إن كان وزير المياه والري في حكومة الدكتور عون الخصاونة المهندس موسى الجمعاني قد انتبه إلى خطورة استمرار سرقة مياهنا الجوفية بهذه الطريقة التي تعبر عن تحدي الدولة والقوانين النافذة بطريقة استعلائية فجة، لكنني أثق في قدرة الجمعاني على ضبط مسار الترشيد وإغلاق ملف الضخ الجائر بشكل نهائي، وهو الخبير الذي يعرف أننا نملك أقل من ثلثي حاجتنا لمياه الشرب وأقل من نصف حاجتنا لمياه الري.
ننتظر إجراء حكوميا معلنا، ونبلّ ريقنا بالأمل بوجود إرادة حقيقية لوقف هذا النزف المميت للزرع والضرع والبشر.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   فؤاد أبو حجلة