اللقاءان المرتقبان لرئيس الوزراء مع النقابات المهنية والأسرة الإعلامية يكتسبان أهمية كبيرة، وإن جاءا متأخرين على أجندة الرئيس وبرنامج لقاءاته الذي بدأ فور تكليفه بتشكيل الحكومة، وشمل الكثير من القوى السياسية الكبيرة والصغيرة والأشخاص الذين يمثلون تيارات أو يمثلون أنفسهم فقط. وكان واضحا أن الدكتور عون الخصاونة أضاع وقتا طويلا وثمينا في الاستماع إلى بعض ذوي الصوت العالي الذين لا يملكون إلا حناجرهم.
نقول دائما "أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً"، ويبدو أن من أشار على الرئيس ونصحه باتخاذ قرار استدراكي بلقاء النقابيين والصحفيين يدرك هذه "الحكمة"، ويعي خطورة إشاحة الوجه الرسمي (الحكومي) عن النقابات المهنية التي لعبت دور الأحزاب السياسية عشرات السنين في زمن الأحكام العرفية التي توزع فيها اليسار واليمين على قيادات النقابات الكبرى في البلاد. ويبدو أن من أشار على الرئيس بلقاء الإعلاميين يعي أيضاً خطأ الاعتقاد بأن الإعلام في جيب الحكومة (أي حكومة)، فقد تغيرت هذه الصورة منذ زمن بعيد، ولم يعد ممكناً توجيه الإعلام بقرار مركزي، أو بالإيحاء. وقد ارتفعت السقوف وتراجعت التابوهات التقليدية التي كانت تقيد أقلاماً يجف فيها الحبر رعباً من المساءلة.
في لقائه مع النقابيين سيستمع الرئيس إلى بعض العتب الهادئ والمحق على تجاهله النقابات في مشاوراته السابقة لتشكيل الحكومة؛ لكنه سيستمع أيضاً إلى قراءة مختلفة للمشهد السياسي، وإلى الكثير من الاقتراحات والآراء المتعلقة بالإصلاح وآلياته. وقد يكون لدى النقابات المهنية ما تقدمه لإسناد التوجه الإصلاحي للحكومة انطلاقاً من رؤيتها وقناعتها للشراكة مع حكومة جادة بالإصلاح.
وفي لقائه مع الأسرة الإعلامية سيستمع الرئيس إلى خطاب مختلف يعبر عن نفسه بالغضب والصخب الذي يعكس المزاج الصعب السائد في الوسط الإعلامي، لكنه خطاب ينطلق أيضاً من الرغبة في الشراكة مع السلطات الأخرى والمساهمة في إنجاح الخطوات الإصلاحية عندما تؤكد جديتها، وعندما يكون خطاب الحكومة مقنعاً في هذا الاتجاه.
في السنوات الماضية حاولت الحكومات ترويج الوهم حول نفوذ الإعلام في الدولة والمجتمع، وقيل الكثير عن الشراكة بين "السلطة الرابعة" والبرلمان والحكومة، لكن ما قيل وما تردد من حوارات وندوات وورشات عمل كان مجافياً للحقيقة، ولم تقم هذه الشراكة أصلاً، بل شهدت العلاقة بين الإعلام والبرلمان أكثر من مواجهة صعبة بلغت حد القطيعة في مناسبات كثيرة. أما شراكة الإعلام مع الحكومة فقد عبّرت عن نفسها بتوزير زملاء إعلاميين، وكأن الشراكة المطلوبة تعني الحصول على مقاعد وزارية في حكومات تتشكل على أساس المحاصصة.
وقد تنبّه رئيس وزراء سابق إلى أنه استوزر من لا يريد لحمل حقيبة الإعلام، فلجأ إلى الالتفاف على هذا الوزير القادم إلى الحكومة من الوسط الإعلامي، من خلال تشكيل خلية عمل إعلامي ضمت رؤساء تحرير صحف يومية، وكانت هذه المجموعة التي تمثل وزارة إعلام في الظل تجتمع أسبوعياً في مبنى الرئاسة!!
نأمل أن لا يلجأ الرئيس الخصاونة الى أساليب من سبقوه في التعاطي مع الإعلام، وأن لا يستمع للتحريض أو يصدق الاتهامات الموجهة للأقلام والأصوات المختلفة التي لا تستطيع الانسجام في جوقة الدفاع عن الغلط، فهؤلاء لا يعلنون ولا يضمرون غير الخير.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   فؤاد أبو حجلة