كنا قبل سنين نفخر بقدرتنا على تصدير الكفاءات الأردنية التي ساهمت في بناء دول شقيقة، وكانت لها بصمات خيرة في النهوض بقطاعات الصحة والتعليم والخدمات في أكثر من بلد عربي. وكنا نطرب لسماع الإشادة بكفاءة أطبائنا ومعلمينا ومهندسينا الذين تميزوا بين أقرانهم العرب بتأهيلهم الأكاديمي الرفيع في الجامعات الأردنية.
كان هذا أيام زمان، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي حين كانت مقاعد الجامعات متاحة لكل من يحقق معدلا عاليا في امتحان الثانوية العامة، وحين كانت هذه الجامعات تخرج أطباء ومهندسين ومربين، وشيوعيين وبعثيين وإسلاميين ومستقلين يعملون في الأردن وفي الخارج ويتميزون بعلمهم وبأخلاقهم وبوعيهم الوطني الذي يعتبر الأردن قلبا نابضا للأمة ويكبر بالوطن ويرفض تصغيره. أما الآن فقد تغيرت الصورة، وصرنا نستحي من فشل خريجي جامعاتنا في التنافس مع أقرانهم العرب على الوظائف المتاحة في دول الوفرة. وبعد أن كانت الدول وسفاراتها تجهد لاستقطاب الكفاءات الأردنية، صرنا نتوسط سياسيا لإقناع دولة عربية بتعيين بضع عشرات من المعلمين الأردنيين في مدارسها!
تراجعنا كثيرا، ولم يعد ممكنا إغماض الأعين عن الواقع المزري للتعليم الجامعي الذي يقتحم العقد الثاني من الألفية الثالثة بنظرية "مش عارف مع مين بتحكي"، وهي النظرية التي تحكم الوسط الطلابي المشفّى تماما من القناعات السياسية والعقائدية "البلهاء"، وسنستمر في التراجع السريع الذي يضعنا الآن على حافة الكارثة إذا لم يخلع القائمون على التعليم العالي عباءاتهم الاستعراضية ويعترفوا بأن رداءة مخرجات التعليم الجامعي ناتجة عن رداءة نظم القبول الجامعي، وتخلف التعامل الرسمي مع المجتمع الطلابي وخطورة الاستمرار في سياسة الاسترضاءات التي أدت، من بين ما أدت إليه، إلى نشوء نمط مخجل من المشاجرات الطلابية المدفوعة بعصبيات صغيرة وضيقة، كما أدت إلى ظهور السلاح في هذه المشاجرات المعيبة، بينما يختار رؤساء الجامعات ووزراء التعليم العالي المتعاقبون الصمت المريب، وعندما يتحركون يشكلون لجان تحقيق لا تعاقب أحدا، وعندما توصي بعقوبة يتم تجميدها نتيجة تدخل "أهل الخير"، وهم في الأغلب نواب خدمات، وبعضهم بكل أسف، نواب سياسيون.
إنه تواطؤ خطير يهدد حاضر ومستقبل جيل كامل من الأردنيين الذين يستحقون التميز بالإنجاز. وهو تواطؤ يؤذي صورة الدولة التي عرفت بصدارتها التعليمية على مستوى المنطقة العربية برمتها، وكانت صندوق ذخيرة العرب في الطب والهندسة والعلوم. هذا ما يقال في الصالونات، وما يخشى الكثيرون من التعبير عنه تجنبا للتأويل والتفسيرات الموجهة. بل إن ما يقال يتجاوز ذلك بكثير عند تناول الفرق بين ما كنا نصدّره للعرب من كفاءات مهنية، وما نصدره إليهم الآن!
واقع التعليم الجامعي في الأردن نموذج للإبداع الرسمي الذي يقلب النجاح إلى فشل. وهو نموذج يعبر عن نفسه يوميا بالمشاجرات والإغلاقات، وحتى منع رؤساء الجامعات من دخولها.. كل ذلك يدفعنا للتساؤل البريء: هل يخدم هذا التراجع الحكومي الجامعات الخاصة والحيتان المالكين لها؟ سؤال برسم التشكيك فقط.

المراجع

rasseen.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   فؤاد أبو حجلة