بإعجاب واحترام كبيرين نقرأ التجربة التونسية ونتابع ما يجري في "الخضراء" التي أطلقت شرارة الربيع العربي، وقدمت النموذج الأرقى للتغيير من خلال صناديق الاقتراع، وسيّجت منجز الثورة بالتوافق الوطني الذي أوصل مناضلا يساريا عروبيا إلى سدة الرئاسة.
لا يحتاج المنصف المرزوقي إلى شهادة حسن سلوك من واشنطن أو باريس أو لندن أو الجامعة العربية، لأنه يحتكم الى الشارع التونسي وإلى قواه الحية، ويستند إلى تاريخ طويل في النضال من أجل الديمقراطية، وقد عبر في خطابه المؤثر في المجلس التأسيسي التونسي عن أصالة الرؤية لدى المعارض المطارد الذي صار رئيسا للبلاد، فلم تختلف لغته كقائد للدولة عما كان يردده سجينا في الوطن أو منفيا وراء البحر.
نجحت تونس في تقديم النموذج النقي، وعجزت دول ربيعية أخرى عن الاقتداء به، ففي مصر تحيط الشكوك والمخاوف بمرشحين للرئاسة لا تخلو سيَرهم الذاتية من شبهات الارتباط بالمشروع الغربي أو الانخراط في برنامج التبعية والتخلف الذي جسده النظام الرسمي العربي خلال عقود متعاقبة من الظلم والظلام. وفي ليبيا يخرج البنغازيون الى الشوارع مطالبين بتنحي مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي الذي ربط حاضر ليبيا ومستقبلها بالمشروع الناتوي، فتفككت البلاد وتحولت العشائر إلى ميليشيات وأصبحت المدن جمهوريات. وفي سورية التي كان البيان الأول لثورتها مكتوبا بدم الأطفال، يواصل دعاة الحرية تصديهم للقمع بشجاعة لم نعرف لها مثيلا في شرق المتوسط، ويواصل النظام جرائمه بوحشية لم نر مثلها في التاريخ المعاصر، ويستمر العبث بقضية الحرية في أروقة السياسة وقاعات المؤتمرات في عواصم الإقليم والعالم، وتتشكل الأطر والهيئات التي تزعم تمثيل الثورة، وتتصدر المشهد شخصيات لا تاريخ معروفا لها في العمل الوطني في الساحة السورية، وإن كان بعضها قد اكتسب شهرة إعلامية في الخارج كشخصيات ديمقراطية معارضة لنظام دمشق.
رغم الإعلان عن تشكيل المجلس الوطني السوري الذي ضم فئات غير متجانسة من شيوعيين وليبراليين وإسلاميين وشعوبيين في خلطة تتفق على مواجهة النظام وتختلف على كل شيء آخر، فقد ظلت الثورة السورية بلا رأس، لأنها ترفض أن تقاد وتدار من الخارج، ولأن شخص السيد برهان غليون رئيس المجلس الذي يسمي نفسه وطنيا، لا يبدو مقنعا للذين يحملون أرواحهم على راحاتهم في شوارع وساحات المدن السورية، ولأن النتائج الكارثية للحرية على الطريقة الناتوية ما تزال ماثلة بكل تجلياتها المرعبة في ليبيا.
ويبدو أن الغرب وبعض العرب أخطأوا كثيرا في الاعتقاد بأن السوريين، وتحديدا الثائرين على النظام القمعي، يحتاجون إلى قائد قادر على تحقيق حلم الأمة بالتفاوض مع إسرائيل!
ليس هذا ما يريده السوريون، لكن أمن إسرائيل هو ما تريده الولايات المتحدة وعملاؤها في المنطقة، وهو الفاتورة التي ينبغي على أي طرف أن يسددها ليحظى بالرضى الأميركي. وقد كان النظام القمعي الحاكم في دمشق يسدد هذه الفاتورة بانتظام والتزام مدهشين فحَكم البلاد عقودا طويلة.
كان أجدى بالدكتور المحترم برهان غليون أن يحتفظ بوظيفته في المحطة التلفزيونية التي يعمل بها، وأن يكتفي بالتنظير الأكاديمي عن الديمقراطية بدلا من توريط نفسه في وظيفة جديدة تبدو أكبر من مقاسه. وكان حريا بهذا "المفكر" أن يعرف أن الشعب هو الذي سينتصر على النظام وهو الذي سيصنع حريته ويضيء فجر سورية.. فجرا عربيا خالصا لا مكان فيه لأصدقاء اميركا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة