حقيقتان تمقتهما المعارضة الأردنية؛ أولاهما أن المعارضة المظفرة التي تجاهد وتناضل لقطف ثمار إصلاح ما يزال قيد الاحتمال، لم تكن، أحزابا وقيادات، مَن أطلق شرارة الحراك الشعبي الضاغط لتحقيق الإصلاح، وقد تريثت كثيرا قبل أن تركب موجة الشارع من أجل اختطاف حراكه وتلوينه عقائديا وسياسيا. وثانيهما أن هذه المعارضة المتفقة على ضرورة الإصلاح في الأردن تختلف بشدة حول الإصلاح في سورية، لاعتبارات لا يعرفها غير الضالعين في علم التنظير.
بالطبع، لا يعترف الجهابذة في لجنة التنسيق الحزبي وفي قيادات الأحزاب المعارضة بهاتين الحقيقتين، بل إنهم يتحدثون عن الحراك الشعبي باعتبارهم أصحاب قراره وهم الذين يملكون القدرة على تحريك الشارع، وهم الذين ينبغي أن تسترضيهم الحكومة لكي يظل الشارع هادئا. ولعل الحكومات فقط هي التي تصدق هذا الادعاء عندما تتودد إلى هذه القوى وتريق ماء وجهها وهي تتوسل حوارها، أو تسترضي بالتوزير حزبيين سابقين يمثلون، من وجهة نظر الحكومات، تيارات عقائدية وسياسية، رغم أن هؤلاء، مع الاحترام الشديد لشخوصهم، أعجز من التأثير في صف صغير في مدرسة ابتدائية، وبعض ذوي الصوت العالي الذين تحولوا في واقع ملتبس (حتى لا نقول مشوه) إلى رموز للمعارضة رغم قدرتهم على الاستدارة الكاملة والانتقال من الهجوم الى الدفاع في اللحظة الوظيفية المناسبة.
في المقابل، لا تعترف الحكومات التي تريد معارضات مفصلة على مقاساتها بأن القوة السياسية المؤطرة الوحيدة التي تمتلك قدرا من التأثير في الشارع الأردني هي جماعة الإخوان المسلمين، وما عداها من قوى وأحزاب قومية ويسارية واجتماعية تطرح برامج مناقضة للتوجه الرسمي ليست أكثر من ضرورة صورية للديمقراطية التي تحتاج إلى إكسسوارات كثيرة. كما لا تحب الحكومات الاعتراف بقناعتها بعدم جدية المعارضة الإخوانية التي يقودها سياسيون براغماتيون يفهمون المعادلات السياسية ويجيدون توزين الأمور في حسابات الربح والخسارة.
ربما يراهن إسلاميو الأردن على الاستفادة من الحراك الشعبي بذات الطريقة التي اعتمدها إخوان مصر، وهذا حق لهم، مثلما هو حق لجميع القوى السياسية الأخرى، لكن ما ليس حقا هو التجاوز المتعمد لأبطال الحراك الذين ما التفت إليهم أحد في الحكومات وفي المعارضة، بل إن البعض حاول وما يزال يحاول تهميشهم والتعتيم على أدائهم المبهر في دوار الداخلية وساحة النخيل وعلى امتداد خريطة الحراك، والمؤلم أن هذا التواطؤ الجماعي سينجح في تغييب دور شريحة شبابية طاهرة لا تخضع فعلها للحسابات ولا تحدد رد فعلها بمواقف وانطباعات الدول والسفارات.. ويبدو هذا التغييب مريحا للحكومة ولمعارضتها في ذات الوقت.
الحقيقة الثانية التي لا تحبها المعارضة الأردنية هي حقيقة انقسامها وتشظيها نتيجة اختلاف مواقف أطرافها من جريمة إبادة الشعب السوري، فبينما يجاهر الإسلاميون بمعاداتهم لنظام دمشق الذي كانوا يعتبرونه حليفا سياسيا للمقاومة لسنوات طويلة، يتشبث القوميون وما تبقى من اليسار بتأييد هذا النظام بذريعة الخوف على سورية من التدخل الأجنبي. ورغم إمكانية التوحد في إطار موقف يعارض قمع النظام ويمانع التدخل الأجنبي، تختار قوى المعارضة الحفاظ على الانقسام لترسيخ واقع مريح للحكومة.
أمام هذا الواقع يبدو مضحكا ذلك الخطاب السياسي "العقلاني" الذي يدعو إلى التعاطي مع المرحلة بانفتاح وإيمان بجدوى الشراكة، فالشراكة هنا تقوم بين طرفين لا يصدق الشارع أنهما حكومة ومعارضة.. وهذه هي الحقيقة الثالثة التي تكرهها الحكومة ومعارضتها معا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة