لم يكن أحد يتوقع أن يفشل الرئيس عون الخصاونة في الحصول على الثقة من مجلس النواب، فالرئيس قدم برنامج عمل معقولا تضمن الكثير من الأهداف الممكنة التحقيق، واحتوى أيضا على بعض الوعود التي قدمها من سبقوه ولم يعملوا على الوفاء بها، بل إنهم تعمدوا مخالفة المنطق بإجراءات استفزازية طالت مختلف شرائح المجتمع باستثناء المرضي عنهم والمحظيين الذين تعودنا على عبثهم بحياتنا وكأنه قدر لا فكاك منه. لكن هناك إدراك لدى الشارع ولدى الكثير من النخب التي تحتكم إلى العقل بأن الخصاونة يعني ما يقول، وأنه جاد تماما في ما وعد به من خطوات إصلاحية.
وبغض النظر عن ملاحظاتنا الكثيرة على مجلس النواب وعلى أدائه المتذبذب في مساءلة الحكومات ومحاسبتها، فإن هذا المجلس يمتلك قدرا من وضوح الرؤية ورجاحة العقل ما يؤهله لأداء أرفع وأكثر قوة في التعاطي مع الإصلاح الذي يبدأ ولا ينتهي باقتحام مساحات خطيرة كانت، فيما مضى، مسيجة بالكثير من الخطوط الحمراء، وفتح ملفات فساد كان مسكوتا عنها خشية مواجهة المتورطين فيها. وربما كانت هذه القناعة وراء منح الرئيس الخصاونة ثقة محترمة ومحسوبة من مجلس تورط في لحظة غاب فيها العقل، بمنح حكومة سابقة ثقة مبالغا فيها بدون حساب.
لا شك في أن الثقة النيابية تعبر بالدرجة الأولى عن تقدير لشخص الرئيس ولأعضاء طاقمه الوزاري، لكن الأمور تقاس بخواتيمها، والمقدمات تقود إلى النتائج. وهذا وقت المقدمات الإجرائية التي ينتظر الناس رؤيتها في مرحلة يختلط فيها التفاؤل مع الخوف، ويظل فيها الاحتقان كامنا في الشارع.
سيقرأ الرئيس الكثير من المديح والتجريح في الصحافة، لكن المهم هو رأي الشارع، وهو الذي ينبغي أن يتصدر جدول اهتمامات الحكومة، رئيسا ووزراء، لأن رغيف الخبز يتساوى مع الكرامة، ولأن الأردنيين ليسوا معنيين كثيرا بالتنظير والندوات والمؤتمرات وورش العمل حول الديمقراطية وتطبيقاتها المختلفة.
ومع الاحترام للرأي القائل بأن حكومة الخصاونة هي حكومة الإنقاذ والفرصة الأخيرة، إلا أن القراءة الواقعية للمشهد الأردني تبين أن هذه الحكومة تتحمل مسؤولية إطلاق برنامج إصلاحي حقيقي وجاد يستغرق إنجازه أعمار حكومات كثيرة، وهي حكومة الخطوة الأولى في مسيرة صعبة وطويلة. ونأمل ألا يخذلنا الرئيس كما خذلنا من سبقوه حين قادتهم رؤاهم الضيقة إلى استنتاجات خاطئة ساهمت بتأزيم مشاكلنا بدلا من حلها. ولعل في تجربتَي الحكومتين السابقتين ما يؤكد هذا الزعم، فقد خلفت حكومة الحسم الأمني حكومة السوق، فكان الحشر في عنق الزجاجة هو ما وصلنا إليه.
سيحاول الكثيرون إحباط الإنجاز، وسيسعى مقربون من متنفذين إلى الانقضاض على الحكومة خدمة لأجندات غير بريئة، لكن ذلك ينبغي ألا يؤثر في الأداء الحكومي لجهة الإجراءات الإصلاحية، لأنه يظل مجرد حديث صالونات ومطاعم في عمان الغربية. وقد كان هؤلاء وما يزالون يحاولون العبث بقطاعات مهمة وحساسة، ويروجون لعودة خارجين من الحكومة وغيرها، ويضعون سيناريوهاتهم الخاصة للتغيير، لكن سعاة الصفقات لا يستطيعون تمريرها بوجود حكومة قوية.
في أول يوم عمل بعد الثقة نقول للخصاونة: اجعلوا كل صباحاتنا خيرا يا دولة الرئيس.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة