مأساة المعلم المرحوم عمار الدويك تدفعنا الى طرح السؤال المحرم حول عمل المستشفيات الخاصة التي تستثمر في المرض وفي الموت أيضا، وتزدهر تجارتها في ظل التواطؤ الرسمي والأهلي الذي يبقي ملفها مغلقا، بحجة الحرص على تميزنا الطبي والعلاجي في المنطقة والحفاظ على العائدات الكبيرة للسياحة العلاجية في الأردن.
المرحوم الدويك أصيب في حادث سير ونقل الى المستشفى ولم تفلح الطبابة في إنقاذ حياته، فتحولت جثته إلى رهينة محجوزة في ثلاجة الموتى في أحد المستشفيات الخاصة حتى يتمكن أهله من جمع ما يكفي لتسديد فاتورة العلاج والرعاية الطبية وأجور الإقامة. وبينما كان ذووه يبكون من وجع الفقد وضيق اليد، ويستصرخون الضمائر لتمكينهم من إكرام ميتهم بدفنه، اختارت وزارة الصحة وكل الجهات الرسمية أن تتجاوز المأساة بالصمت لأن فاتورة المستشفى متواضعة ولا تتجاوز سبعة وثلاثين ألف دينار!
ليست هذه أولى القصص المأساوية للمرضى الذين يقودهم الألم والحظ العاثر والعجز الحكومي إلى المستشفيات الخاصة، فهناك الكثير من الجثث التي تحجز في ثلاجات الموتى بانتظار معجزة تدبير قيمة الفاتورة.
لا أتجنى على المستشفيات ولا أتخيل الوقائع فقد مررت بتجربة شبيهة في العام 1989 حين مات ابني الصغير في مستشفى خاص مكتظ بالورع والتقوى، ولم أتمكن من دفنه بسبب عجزي عن تغطية الفاتورة التي تجاوزت الألف دينار ولم أكن أملك منها شيئا. وقد رفضت إدارة المستشفى تقسيط المبلغ أو تخفيضه رغم أن جل تجهيزات المستشفى المذكور جاءت بتبرعات من المحسنين وفاعلي الخير، وهذا ما كان مكتوبا على لوحات علقت على أبواب الأقسام والغرف.
بعد الكثير من العناء وذل السؤال تمكنت من استدانة المبلغ ودفعته للمستشفى الذي سلمني جثة ابني في كرتونة.. ودفنت الصغير وأنا حزين وغاضب ومقهور.
ما الذي دفعني في ذلك الوقت للذهاب إلى مستشفى خاص؟ وما الذي يدفع الآلاف من ذوي الدخل المحدود لنقل مرضاهم إلى المستشفيات الخاصة؟
إنه الخوف وقلة الحيلة وانعدام البديل، فلكي تتمكن من الحصول على سرير في مستشفى حكومي تحتاج إلى معجزة أصعب من معجزة تدبير قيمة الفاتورة الفلكية للعلاج في مستشفى خاص. هذا ما حدث معي، وهو ما أتوقع حدوثه مع الكثيرين من ذوي المرضى غير المؤمّنين الذين يضطرون لطرق أبواب المؤسسات العلاجية الاستثمارية. وهنا تكمن المشكلة، فالدولة التي تفاخر بعظمة سياحتها العلاجية تعجز عن تقديم الخدمة العلاجية الأساسية للكثيرين من مواطنيها، وتكتفي ببضع مستشفيات حكومية لا تستطيع احتمال الضغط في عمان، وتفتقر إلى الكثير من التجهيزات في المحافظات.. ثم نتحمس لنقد مستشفى البشير ونسخر من تدني مستوى الرعاية فيه، ولا نخجل من تواطئنا ومن صمتنا على الانتقاص من حقنا الأساسي في الرعاية الصحية!
ألم يكن حريّا بنا أن نرفع صوتنا في الاعتراض على المشاريع الترفيهية التي كلفت خزينة الدولة مبالغ كبيرة، في الوقت الذي نجهد فيه للحصول على سرير في مستشفى حكومي أو مقعد في جامعة حكومية؟
هل هناك حاجة حقيقية إلى متنزهات وحدائق مكلفة ونحن لا نستطيع زيادة عدد المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس والجامعات؟
ربما حان الوقت لنعيد التفكير في حصة الصحة والتعليم في موازنة الدولة. وربما حان الوقت أيضا لأن نعيد النظر في خشيتنا من أصحاب المال والنفوذ الذين يملكون المستشفيات الفندقية والجامعات الخاصة التي لا تخرج عباقرة، فهؤلاء يتداوون في بريطانيا وأميركا ويدرسون أبناءهم هناك.
ندعو لفتح ملفي الاستثمار في الصحة والتعليم ونأمل ألا يتمكن المرشحون لسلحوب من حشرنا في الجويدة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فؤاد أبو حجلة