الحوار لغة تضاف الى لغات العالم التي تتكلم بها مخلوقات الله , وهي لا تاتي إلا بالتعلم والممارسة , وصولا الى الإتقان , ثم المهارة والفن , ثم الإحتراف والتميز , فليس كل من حاور أجاد وأقنع , أو جاء بجملة مروية من التاريخ أبدع , أو قلد غيره اصطهج فرحا وسرورا بنجاح مزيف , لا يلبث أن يخبو وإن عكس شعاع الشمس أو تغطى ببريق الذهب .
الحوار ركيزته الثقافة , سلامة النطق , الثقة بالنفس , الإيمان الصادق الباعث للطمأنينة , نبل هدف الحوار , رقة الأسلوب وسلاسته , فليس كل من طرق هذا الباب نجح , فإيصال الأفكار والأراء السديدة أمر في غاية الصعوبة وبالغ الحساسية , فقد تتحول من الإصلاح الى التخريب , ومن الخير الى الشر , والمبتغى بالاساس المنفعة .
الحوار له أهله المتخصصون , ليس هو سلعة تباع وتشترى , ويبتاعها العالم والجاهل على حد سواء , مع أن بيع السلعة يجتاج الى مهارة في التسويق والدعاية والتشويق .
مع انتشار وسائل الإعلام التي جعلت من العالم قرية , ودخلت كل بيت وإن اختلفت لغاتهم ولهجاتهم وعاداتهم وتقاليدهم , أديانهم ومذاهبهم , نظرياتهم الفكرية وأهدافهم الحزبية , وإن كان ذلك كله مهم , ولكن الأهم كيف يسمعون الحوار ويصغون له ويتعاملون معه , ويجبرهم على ردة الفعل بالمشاركة الايجابية , النابعة من العقل وليس العاطفة .
ينتصر المحاور , ويعلو عرش النجاح بقوة الحجة وسلامة الأسلوب , وقد أثبتت بعض الدراسات المعنية بهذا الشان , تفوق الأسلوب على المضمون , بفارق كبير , حيث بلغت نسبة الأسلوب بالإقناع 38% ونسب’ المضمون 7% ثم تأتي بعد ذلك عوامل أخرى عديدة لكل منها نسبة مئوية , فقد تعجب كثيرا بلحن الأغاني ولا تعجب أبدا بمضمون كلماتها .
الصراخ في الحوار , القهقهة في الضحك , إظهار حركات الاستهزاء , البدء في انتقاد فكرة مطروحة من مشارك , الاستقواء على حيازة الوقت , الكلام الجارح , الاتهام الباطل , ليست أساليب قوة في الحوار , بل هي أساليب ضعف , وانكفاء للوراء , وسطحية في الفهم , وضحالة في الوعي , وقصر في النظر , وخداع للعامة والبسطاء , باستعراض بغيض مكروه .
المتقن للحوار والمبدع به , لا يحاور فكره” ولكنه يحاور فكرا عميقا , فالفكرة الواحدة محدودة العطاء , وإن سمت وعلت , ولكن الفكر يجمع العديد منها ويتشعب بها , يظهرها بجلاء , يبرز حسناتها ويطفئ سيئاتها , كما يطفئ الماء الضمأ , وتغدو الحقائق دررا منثورا , لا سرابا ولاوهما وضربا من الخيال .
كذلك الاتصال والتواصل مع المتحاورين , من خلال شبكة الإتصال , هاتفيا والكترونيا , أو أي وسيلة أخرى , هي مهارة , وهي جزء أساسي من الحوار , تثريه وتوجهه إذا اقامت عليه البرهان والدليل , وترديه إذا هي زادته ضلالا وتوهانا .
ليس الهدف من الحوار الإخبار بالشيء والعلم به , ولكن الهدف هو الإقناع والإيمان به , وصدق الله العظيم , حين قال مخاطبا اولئك الذين قالوا إنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ((قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين )) .
حمى الله الاردن وشعبه ومليكه .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور