ليس ثمة ألم يعادل ألم ما يجري في جامعاتنا اليوم من تضليل للجيل الذي نعلق عليه آمالاً كبيرة في نمو البلد، وتنميته، والحفاظ على أمن مجتمعه من كل ما يحيق بمستقبل الأمة من أخطار داخلية وخارجية تتناول الهوية القومية والوطنية، ولحمة أبنائه، ووحدة صف كل السائرين على أرضه.
بالأمس كان الحديث عن تحديات نمو مستويات البحث العلمي، وتخريج جيل مسلح أكاديمياً من جامعاتنا الوطنية، هو الهم الأكبر للمعلمين والآباء والمسؤولين في جامعاتنا، الذين دخلوا في شراكة حقيقية ما لبثت حتى ذابت بعد زوال زمن الجدية في تنمية الوطن عبر الأجيال، وما أمهلها الزمان أن تؤتي ثمارها حتى نخر السوس عمدانها فأصبحت هذه الشراكة واهنة تسقط بإصبع فأر. واليوم يبلغ الحديث عن إقليمية ضيقة، وممارسات عنصرية "مقرفة"، حده الأعلى ليبعد عن طريقه كل الأحلام الجميلة ببناء قواعد حضارية في عقول أبنائنا من خريجي هذه الجامعات.
وبينما ينظر الجميع إلى هذه الفاجعة، تتساقط أوراق التوت لتظهر عورات النظام التربوي في مؤسسات أكاديمية أصبح يمارس فيها إهلاك الفكر الجديد لحساب تضييق آفاق الطلبة وإلهائهم بمتاهات الانشقاق والتفرقة بصورة يومية، وكأن الجامعة أصبحت المكان الطبيعي لتعبئة شحنات ثقيلة من الحقد الطبقي، والعنصري، والإقليمي، وغدت أيام الدراسة موقوتة على انفجار سريع يمكن أن يحدث في أي لحظة ليسفر عن مفردات جديدة في معجم تدمير الوحدة الوطنية التي هي أساس استقرار البلد، ومصدر غذاء سكينته، وعموده الفقري في كافة الأحوال، ولو نسبياً.
الذي يجري في صروح الأردن الأكاديمية ليس كما يصفه البعض بأنه جزء من الشكل العام للمجتمع الأردني، وهو بالتأكيد لا يعبر عن رأي الأغلبية من الأردنيين الساعين إلى نمو البلد وأجياله على أسس سليمة، لكنه مؤشر خطير على خطأ في مسيرة النظام التربوي في هذه الجامعات التي أصبحت، إن ساغ التعبير، تفتقد للحكمة في التعامل مع الطالب، وتخلو إداراتها من التفكير الجدي في آلية الردع الحقيقي لكل من يسيء لوطنه في التفكير والتدبير على حد سواء.
ولو أخذت إدارات الجامعات دورها الفاعل والمطلوب بعيداً عن المحسوبيات، التي لا تنفصل جزيئاتها عن جزيئات الفساد، لما وصل الحال بهذه الصروح الأكاديمية إلى التداعي والهوان أمام التيه وسوء الإدارة، والتدخلات العشائرية والنيابية، للتراجع عن قرار فصل طالب أو معاقبته بسبب إساءته لذاته أولاً قبل أي شيء، ثم إساءته لأهله ووطنه وزملائه، ولما سمحت هذه الإدارات لنفسها بالتدخل في انتخابات طلابية لتدير ظهرها لاعتبارات كثيرة تخص الجانب التربوي لشخصية طالب قد يتخرج بشهادة "حاقد" على كل شيء في الأردن لممارسات قمعية اتخذت بحقه أثناء دراسته في هذه الجامعة.
وفي نهاية الطواف حول مشكلة غدت تؤرق المجتمع، تتحمل الجامعات أي تبعات تربوية سلبية تلحق الضرر بتكوين الطالب، وليس غيرها. ولذلك يجب على إداراتها أن تتنبه إلى أهمية حماية من يسمى بكافة الأعراف "ابن الجامعة" من الإقليميات الضيقة، وعفونة العنصرية، وقلة الإحساس بالانتماء، والتفكير السلبي تجاه قيمة الجامعة والزمالة، وهي مطالبة بالتدخل السريع لحماية الفكر، وحيوية التكوين في ذهن طالب لم يتجاوز عمر التشكل بعد.
هي عملية إنقاذ لجيل قادم من هواء التنمية السلبية الذي يتنفسه في جامعاتنا، ولا يضر إن قلنا إننا نحرص أيضاً على إحياء مكانة الجامعة كصرح فكري وتربوي راقٍ له قيمته التي هي أكبر من أن يدمرها تدخل غير أخلاقي من بعض الأجهزة التي نأمل أيضاً أن يكون تفكيرها في الجامعة أعمق ولو قليلاً مما هو عليه الآن.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فراس النعسان