من فينا قادر حقا على قراءة وفهم المشهد الذي نعيش ؟ من هو حقا الذي يستطيع ان يضع النقاط على الحروف ؟ لنميز الحاء من الخاء ، والتاء من الثاء ، هل وصلنا حقا الى الزمن الذي يصبح به الحليم حيرانا ؟ من ذاك الذي هو قادر على أن يؤشر باصبعه ليدلنا على الصالح ، ويبعدنا عن الطالح ؟ من هو ذاك العبقري فينا الذي يميز المنظرين المتلاعبين بالكلم الذين جعلوا من مر الكلام عسلا ، ومن العسل سما ، وما هدوا الى الترياق ؟
في كل مساء ، يمطر أثير الأردن ، شتما وسبابا ، اتهامات وتضليل ، غمزٌ ولمز ، قهرٌ للنفوس ، وتلاعب بالعقول ، يصنعون الكلمة صناعة محكمة ، ويجسدونها دمية جميلة ، تسر الناظرين ، كلمة مصنوعة توحي بصدق معناها وطهارة حروفها ، ونبل غاياتها ودقة مضمونها ومحتواها ، لتدخل العقل برقة وعذوبة ، وتسري مسرى الدم بالشريان .
في المشهد القاتم ، ضاع الرأي العام ، وتاه في دروب المجهول ، وفقدت بوصلة تحديد الاتجاه ، وظهر أصحاب الأجندة ، الذين لا نعرفهم ، ولكننا واثقون من وجودهم الخبيث على هذا التراب الطاهر ، تختبئ أجسادهم وتظهر أفكاهم واراؤهم السوداء ، من خلال مأجورين جندوهم ليكونوا صدى صوتهم في شتى وسائل الاعلام ، هؤلاء هم خفافيش الليل والنهار معا ، لا يظهرون ولكن يدفعون بغيرهم للظهور، مقابل وعود كاذبة، أو عطاء مالي هزيل ( نفر يباع ويشترى ) .
من وراء هذا المشهد القاتم ، أوطان أصبحت في مهب الريح ، وخلف هذا المشهد القاتم ، يتحرك تجار المصائب ، وأهل الفساد زادوه عتمة وظلمة لينجوا من عقوبة فسادهم ، ظهر في هذا المشهد القاتم ، ما أسموهم النخب ، فهل هم نخب حقا ؟ أم جعل منهم حليفهم الأجنبي نخبا ؟ لماذا لم يظهر هذا الوصف إلا في هذا الزمان ؟ لماذا لم يعرفوا من قبل ، إن كانوا حقا نخبا وخيره ، يشار لهم بالبنان ، وتقنع بهم العقول ،وتسمو بهم الارواح .
المشهد القاتم الذي عم بظلاله المعتمة كل تضاريس الوطن الجغرافية ، أرسله من الخارج أصحاب الذكاء الى عديمي الذكاء بالداخل ، ليروجوا أفكارهم المسمومة ، المطلية بطلاء العسل ، ما تلبث أن تتذوقه حتى تنفث بالجسم سمومه القاتله . رجال أعمال قادرون ماليا ، ومنظمات أجنبية معادية ، أسست محطات فضائية إعلامية في أرجاء ( الوطن العربي كله ) أرادوا أن تكون استراتيجيتها بث الشائعات التي تخترق محرمات الوطن ، والعمل على إبقاء المواطن في دوامة التفكير ، ينتقل من حادثة الى أخرى ، وصولا به الى الإحباط والضجر وفقدان الأمل ، حتى أنهم لا يملكون الوقت للتفكير والتحليل ، ووزن الأمور .
المطلوب من هذه المحطات ، كما خطط لها بُناتها ومالكوها ، أن يبقى الشعب كله يفكر بالإتجاه المعاكس للأنظمة والقوانين والدساتير التي تعمل بموجبها الدول ، يطعنونها ويجرحونها للقضاء عليها ، دون الإتيان بالبديل لها ، حتى وصل الحال بالصالحين الى الصمت المطبق ، خشية منهم على ما تبقى لهم من الأعمار .
حمى الله الاردن وشعبه ومليكه
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور
login |