احتفلت الصحف الأميركية الأسبوع الماضي بالغزل الرفيع الذي أطلقه الرئيس أوباما لصالح إسرائيل، في مقدمة مملة لمسلسل الانتخابات الرئاسية القادمة التي اعتاد العرب على أن فاتحة تصريحاتها يجب أن تكون ضدهم على الدوام، وضد القضية الفلسطينية، وكأنّ الأمر أصبح تقليدا كلما اقترب موعد تلك الانتخابات.
ليس غريبا أن نسمع مثل هذه التصريحات، ولكن ما لفت نظري هذه المرة هو الاحتفال الكبير الذي شهدته صحف الولايات المتحدة الأميركية قاطبة بتصريحات أوباما، وكذلك المساحة الواسعة التي أفردتها محطة "سي. أن. أن" لمدح هذه التصريحات من دون أي نظرة موضوعية إلى مستقبل المنطقة في حال تعثرت مساعي العملية السلمية التي لا يمكن أن تلقى دعما فلسطينيا وعربيا وعالميا إذا ما استمر الصراع بين حماس والسلطة الفلسطينية.
الصحافة الأميركية تعتبر وجهة النظر الإسرائيلية قمة في المصداقية ولا يمكن تجاهلها على الإطلاق، خاصة فيما أشارت له وجهة النظر تلك بأن السلام ممكن مع جزء من الفلسطينيين دون آخر، ومقابل جزء من الأراضي دون جزء آخر تقطنه أكثرية فلسطينية. وفي ذات الوقت تحمل قصاصات الاقتراح الإسرائيلي عمليات تهجير جديدة، ومصادرة لأراض شاسعة واستمرارا لحالة الحصار المفروضة على فلسطينيين خلف الجدار العازل. فبأي منطق مهني وموضوعي تأخذ الصحف الأميركية مثل هذه المقترحات، ووجهة النظر الإسرائيلية على محمل الحل الأمثل!
كنا في المنتديات والمؤتمرات الإعلامية حين نلتقي بالكتاب والصحافيين الأميركيين نسمع منهم ما يشير إلى تفهمهم للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس معاناة الطرف الفلسطيني وظلم وتجبّر وإجرامية الطرف الإسرائيلي. ونفاجأ بأن ما يكتبونه يشبه المثل القائل "أسمع كلامك أصدقك..."، في وقت ما يزال يعتبر كثير من الإعلاميين العرب أن الصحافة الأميركية مدرسة في النزاهة والمهنية المستمدة من موضوعية التناول والطرح، وهو الأمر الذي لم نعد نصدقه بعد تأكيد الإعلام الأميركي على أن نزاهته لا تكتمل إلا بالغزل الإسرائيلي.
مشكلتنا كعرب أننا لا يمكن أن نشيح بوجهنا عن الغرب، ومشكلة الغرب أنه لا يستطيع النظر إلى الشرق إلا ليرى إسرائيل فقط، ليس برؤسائه وحكوماته بل أيضا بإعلامه الذي يسعى لأن يبتعد عن شبح الخسائر المادية والأزمات المالية قدر المستطاع، وأن يبقي نسب توزيعه مرتفعة من دون أي نظرة إلى معادلة المصداقية والمهنية، حتى أن الأمر بات على أعلى درجات الفضح وأصبح رؤساء تحرير تلك الصحف لا يخشون التعري في الهواء الطلق، وعلى مرأى الملايين، لكن خشيتهم وقمة همومهم الخسارة في سوق إعلامية عالمية، مرهون بمن يملك زانة مرنة وقوية تساعده على القفز عاليا، وربما أعلى بكثير من البيت الأبيض بكل سلطته التي تحوط الكرة الأرضية.
الإدارة الأميركية تحرك إعلام دولتها بصورة عجيبة، فهي تقوده إلى أداء دور باهت في المسلسل الأميركي الممل قبيل موعد الانتخابات الرئاسية، في حين أن بإمكانها أن تبحث عن حلول جديدة وفاعلة لقضايا المنطقة، وأهمها بالطبع الصراع العربي الإسرائيلي، فلا يمكن لعاقل أن يتصور وجهة النظر الأميركية التي تؤجج هذا الصراع على حساب السلام في وقت يمكن أن يدفع سلام حقيقي لمقترح جديد يرضي كافة الأطراف أي رئيس أميركي للبقاء لدورة ثانية، والكل يعلم أن الغزل الذي تبديه الإدارة الأميركية لإسرائيل هيكل عظمي بلا لحم أو دم، وهو بذلك واهن مؤهل للسقوط في أي وقت لأن لا حياة فيه، لكن التاجر المفلس لن يتمكن هذا العام من شراء بضاعة جديدة وإثراء متجره بالحديث لذلك سيكتشف أن عدوه وصديقه سيبحثان معا عن تاجر جديد ومتجر أفضل يتسوقان منه بعيدا عن متجر المفلس.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   فراس النعسان