الأجواء المضطربة في الوطن العربي، مع ذكرى نكسة العرب في حزيران (يونيو) 1967 التي صادفت ذكراها أمس، تشيع إحساساً عجيباً هذا العام بالذات. فهي إن حملت لنا ذكريات مؤلمة وصوراً لا يمكن أن تمحى لحرب قصيرة بيننا وبين الكيان الإسرائيلي، أعقبها فقدان الوطن الأغلى على الأمة العربية مجتمعة، فقد أثارت حفيظة المتابعين لانشغال الناس عن هذه المناسبة القاسية بالحدث الأكبر، أو النكسة الجديدة التي تمر على شعبنا العربي المسلم في سورية، وليبيا، واليمن، ومصر، وتونس، وغيرها من الأقطار العربية.
النكسة أنواع، لكنها لا تتجزأ على الإطلاق، فمنها ما هو داخلي قابع في ذواتنا نحن العرب، ومنها ما هو مستحدث كالذي نشاهده حالياً في درعا وحماة وجسر الشغور.. نكسة الشعب بقيادته، ونكسة المطالب بإصلاح بلده بعد ضياع وتيه في الهوية والقومية، وحتى في الانتماء، وبين هذه وتلك ثمة نكسة في عملية إحصاء النكسات، فكم نكسة، أو حزيرانَ عربياً سنحصي؟
الصور القادمة من سورية مفجعة، لا تختلف عن تلك التي تابعها العالم كله إبان أحداث غزة في كانون الأول (ديسمبر) 2008، فهناك كان الرصاص المصبوب على رؤوس أهلنا الغزيين من عدو إسرائيلي معروف للجميع، ولديه "شرعة العدو" منذ سنوات طويلة تجعلنا لا نستهجن أي عمل إجرامي يقوم به ضد إخواننا الفلسطينيين، ولكن على الطرف الآخر هناك قيادة عربية ونظام مسلم يقتل شعبه من دون مبرر منطقي، وهو بذلك يزيد في منح إسرائيل شرعية أوسع لتقوم بمزيد من القنص وسكب الرصاص على رؤوس العرب.
نكسة حزيرانية أخرى في اليمن، ومثلها في دول عربية عديدة تنتظر الإصلاح أن يحل ببطء شديد كأنه قادم على ظهر سلحفاء أفريقية أنهكتها الشمس اللاهبة. وبين حزيران وحزيران نكسات متتالية تفتح ملفات عربية تستتر خلفها قضايا الفساد واستغلال السلطة وقمع الشعوب، ودفن الهوية العربية والدينية بدوافع غير مفهومة البتة.
حقيقة كم حزيران سنحصي؟! كم من المصائب التي سكتنا عنها طويلاً بانتظار أن يصحو العربي الأصيل ويمتطي صهوة جواده الأشهب ليقول لا للظلم ولا للفساد؟ وهل يتوقف حزيران في سنة ما، في شهر ما، في يوم ما؟ هل نرى ربيعاً جاداً في مصر المحروسة؟ وهل نرى عُمر عربياً حاضراً تكسوه عباءته فقط ويجلس بين الرعية عطلا وهو راعيها؟ يمر حزيران والعرب يعيشونه كأنه اليوم، ليس بالمشهد الفلسطيني فحسب، بل في المشهد العربي برمته، فالحاضر يستحضر الماضي بشدة ويقود إلى مقارنات فظيعة بين ما فعلته إسرائيل بالشعب العربي في فلسطين وبين ما يفعله رموز أنظمة عربية بشعوبهم من قتل، وترويع، وظلم، وأكل حقوق، واستخفاف بحرية الفرد الذي خلق حراً ولن يقبل بالعبودية، ولو كان قد سكت عنها مجبراً لزمن طويل. تلك العبودية التي قُدمت لإسرائيل على طبق من ذهب لترى العرب راضين بقدرهم المحتوم، ساكتين عن المهانة، وعن حقوقهم المسلوبة في ثروات بلادهم بينما تنعم بها قلة قليلة، أصبحت هدفاً لكل عربي، وأصبح جدارها الفاصل عن إنسانية الفرد الحقيقية على وشك الانهيار ليكشف عن حر أصيل قادر على المساهمة في بناء وطنه بروح جديدة بعيداً عن "حزيران قلبه" الذي أنهكه في دورة حياته حتى غدا كائناً بلا روح.
لقد أنهكنا حزيران بذكرياته الماضية والحاضرة، وبات يخنق كل ذي همة. ولأن الزمن مليء بمثله، لم نعد ننتظر قدومه، لكننا نتمنى زواله بهمومه، وظلمه، وشخوصه، وبمفرداته التي لا تعرف سوى الألم والقهر...
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فراس النعسان