قبل عدة أيام، قرأت إعلاناً غريباً من نوعه عن توفر عيادة خاصة بالمدمرين عاطفياً. وصيغة الإعلان تتناول حلولاً لمن يعاني من مشاكل عاطفية بمجرد مراجعته للمستشارة التي تتولى إعادة هيكلة القلب ليعود لإنتاج عواطفه بالصورة السليمة بعد أن تعرض لانتكاسة ما.
الغريب في الإعلان هو أن السيدة التي تدعي أنها مستشارة عاطفية وضعت صورتها بشكل لافت، وبتصميم يجذب الشباب، ويدعو كل من يقرأ الإعلان إلى الاتصال للتعرف على مشكلته الحقيقية مع الحب والحياة دونما تردد، وكأنه فخ للوصول إلى المبتغى التجاري من الموضوع برمته.
اتصلت بالسيدة المستشارة وألفت لها قصة أغرب من إعلانها من باب تعقيد المسائل، ولكنني فوجئت بردها الهادئ بأن كل مشكلة عاطفية لها حل، مع أن المشكلة التي أمامها تتعلق بشاب يحب خمس فتيات في آن واحد، لكنه تعرض للطعنة من إحداهن فقرر الابتعاد عنهن جميعاً. وعند سؤال المستشارة العاطفية للشاب "الذي أقوم بدوره هنا" حول حقيقة حبه لخمس فتيات بصدق، أجاب الشاب بأنه يحبهن بنفس الدرجة ولا يستطيع العيش من دونهن. وأصرت المستشارة على أن ثمة حلا لمشكلته العاطفية بجدارة واقتدار، مع تعهدها باستعادة محبوباته له من دون عناء.
التلاعب بأحاسيس الشباب ومشاعر الناس في إعلان لم يخضع لأي نوع من الرقابة هو أمر غريب للغاية، حتى أنه يخلو من العاطفة والإحساس. لكن الأغرب هو مرور مثل هذه الإعلانات على الجهات المسؤولة بدون تحريك ساكن. كما أن هذا النوع من الممارسات الشاذة علناً يثير تساؤلاً حول من سمح بالترخيص لمزاولة هذه المهنة!
الموضوع قد يمر بسلاسة عند المتلقي، وقد يتطور لدى صاحبة العلاقة التي نشرت هذا الإعلان لتجد لها دخلاً غير شرعي من قدراتها العجيبة في الدخول إلى الأذهان المتعبة، وهي كثيرة في الوقت الراهن وتعتقد أنها بحاجة إلى علاج متخصص فتلجأ إلى هذه المبتكرات السريعة من باب الحصول على حلول سهلة لمشاكل قد يعتقد صاحبها أنها مهمة للغاية لحياته ومستقبله.
الحب والمشاكل العاطفية التي تحيط فيه شيء واقعي، وكلنا تعرضنا لها بصورة أو بأخرى، لكن الصيد في مياه المشاكل النفسية لتحقيق الكسب المادي هو أمر لا يختلف إثنان على أنه غير مشروع البتة، ومن يتغاضى عن مثل هذه الممارسات التي تقوم بها السيدة "المستشارة العاطفية" يساهم في زيادة بؤر الدمار التي يعاني منها المجتمع.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن عدد المراجعين لهذه المستشارة يدعوها للتفكير بفتح فروع في الزرقاء وإربد، وربما خارج المملكة، على حد قولها، فإن المسألة تزداد تعقيداً، وكأننا نعود إلى مشكلة محال المساج التي تم السكوت عنها لفترة طويلة حتى تكاثرت كالنمل في شوارع العاصمة، وبعد إغلاقها بقيت وصمة عار على جبين المسؤولين الذين سمحوا بترخيصها في الأساس.
المشكلة دائما في عدم الانتباه مبكراً للظواهر الجديدة التي يكون لها تأثير مستقبلي فادح الخطورة على النشء بوجه خاص، وتمر كأنها أمر طبيعي مجاراة لما هو موجود ومطبق في الغرب، لكن بطرق حضارية بعيدة غالباً عن الحسابات التجارية. فالعمل في البورصات وتحقيق مكاسب هائلة يومياً أمر عادي في الغرب، لكنه عندنا دخل في دوائر النصب، ومحال المساج منتشرة في كل مكان في أوروبا وشرق آسيا، لكن عند تطبيق الفكرة في بلدنا خرجت عن المألوف بسرعة وأصبحت منابت للدعارة والفساد، وأعتقد أن المستشارة العاطفية لا تقصد فتح عيادة نفسية راقية لمعالجة المدمرين عاطفياً، بل لديها حسابات أخرى تحتاج لانتباهة حقيقية منا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فراس النعسان