أثار حديث وزير التنمية السياسية، قبل يومين، شجوني تجاه الدور الذي تلعبه هذه المؤسسة الوطنية التي يفترض بها أن تضع يدها على الجرح، وأن تقوم بتقديم العلاجات الوقائية للخلل السياسي الذي تعانيه تشكيلات المجتمع الأردني التي أنتجت جيلاً غير قادر على ابتكار حالة معارضة سياسية محلية بعيدة عن التقليد وتقديم صورة الآخر في بلدنا.
وزير التنمية السياسية كان يتحدث عن أهمية التنمية السياسية في المجتمع، لكنه أغفل أن وزارته لم تقم بدور ملموس على هذا الصعيد منذ تأسيسها، وربما لو قامت بدور علمي مبكر لما شاهدنا الجيل الناشئ يتخبط في الشعارات بدون مشاركة مفترضة منه في تقديم حلول للأزمة، وتشكيل معارضة شابة قادرة على قيادة حركة المطالبة بالإصلاح من خلال برنامج وطني مفهوم.
التنمية السياسية تعني وقاية المجتمع من "الفوضى السياسية". والوقاية تأتي من خلال المبادرات التي تضطلع بها الجهة المعنية بالتنمية السياسية تجاه المجتمع بكافة شرائحه. وفي الواقع، ما يحدث في بلدنا اليوم ناتج عن غياب لهذه المبادرات التي كان من المفترض أن تحمي البلد من أي أزمة قد تستغل لغير الصالح العام.
تلك المبادرات المجتمعية يتم رسمها وفق خطط مدروسة ودقيقة لتنفذ فيما بعد من خلال عدة مؤسسات، أولها المؤسسة التعليمية، ويليها تباعاً المؤسسات المعنية بالرعاية الشبابية، والمؤسسات التي تعتبر على تماس مباشر ويومي مع المجتمع، مثل الأمن العام، ودوائر الأحوال المدنية، والجهات الصحية، وكافة الدوائر والمؤسسات الخدمية التي تكون عادة سبباً في اضطهاد ما يتعرض له المواطن فيتحول إلى صفوف المعارضة عند أول فرصة للخروج إلى الشارع.
وزارة التنمية السياسية يمكنها أن تقوم اليوم بهذا الدور قبل فوات الأوان، خاصة أن المواطن الأردني أصبح يتلقى الفكر السياسي بصورته المعارضة، والجريئة، من قنوات عديدة لم تكن متوفرة في السابق. لذلك لدى الوزارة، إن كانت قادرة على ذلك، فرصة ذهبية لخدمة البلد من خلال تغيير المفاهيم السياسية الخاطئة، وتحويل طاقات الشباب السياسية إلى برامج منتجة للفكر بدلاً من كون أغلبها اليوم مشتتا بين التقليد والتسيير.
كما يمكن لوزارة التنمية السياسية قيادة حراك الشباب الفكري الإيجابي بسلاسة وحكمة، لو لجأت للتعاون السليم مع كافة مؤسسات الدولة في مجال المبادرات المجتمعية. وبإمكان أجهزة الوزارة أن تقدم برنامجاً متكاملاً للاتصال السياسي المؤسسي للأحزاب، على أساس الشراكة في هذه المبادرات ذات الفائدة الكبرى العائدة على المواطن وعلى الجهاز التنفيذي في الدولة الذي يسعى جاهداً للخروج بحلول تهدئ الشارع المتخبط بمطالب الإصلاح، بدون تحديد برنامج يساهم في تثبيت الأولويات كي تلتزم الحكومة بدورها في التنفيذ.
الواقع يقول إن الجميع عليه دور في هذه المرحلة شديدة الحساسية، ملزم بأن يتحمله. وعلى من يقود وزارة للتنمية السياسية أن يعلم أنه مكلف بابتكار حلول لمشاكل كبرى في البلد تتعلق بالتفكير السياسي، وليس بسوء الخدمات، أو بقلة الموارد، فالمواطن يخرج للشارع ليعبر عن فكر سياسي تجاه منظومات تتعلق بالمجتمع ومستقبله، وهذا الفكر يحتاج إلى مناقشة وتحليل عميقين لابتكار حلول تقنع الشباب، وتغير المفاهيم الراسخة لديهم بأن الدولة غير قادرة على تكوين منظومة سياسية صالحة لحياة الفرد، ومشاركتهم في الوقت نفسه في تكوين المنظومة السياسية التي يريدون لخير بلدهم.
أعلم أن العبء ربما يكون أكبر من أجهزة وزارة التنمية السياسية الحالية، لكن يجب النظر إلى دور هذه المؤسسة الوطنية بأهمية أوسع من الشعارات والمناظرات، وأرجو من الوزير أن يتسع صدره دوماً للنقد الإيجابي.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   فراس النعسان