ما من شك أن الفترة الحالية التي يعيشها المواطن العربي أثبتت أن الصورة انقلبت بكاملها رأساً على عقب، وهي تظهر كيف يمكن للثائر أن يقود برامجه إلى التنفيذ بصبر وروية وحكمة وهدوء صاحب الحق، بينما يجنح الحاكم إلى التخبط وإظهار غضبه على نحو يطيح بالمشهد برمته، فيصبح الحاكم ثائراً، والثائر هادئاً، وتترامى المشاهد العبثية للدمار والقتل والتنكيل بالشعب من جانب الحاكم، فيما يتجلى ظفر الثوار في التخطيط والحكمة والسكينة.
المشاهد التي تتراءى في الشارع العربي تدلل على اختلاف الزمان، وحدوث انقلابات عديدة في الرؤية الواقعية للصور أمامنا. ففي ليبيا، يظهر الثوار في قمة الهدوء والسلاسة في التعاطي مع الشعب، ويمهلون المدن العاصية لتستسلم بدون قتال وفوضى. وإلى جانب هذه الصورة، يبدو الشعب وقد لبس ثوب الثوار الأبيض المسالم، وأطلق تصريحات تبرز سكينته الفائقة، بينما مايزال "القذافي" يظن أنها معركة الجعجعة من دون طحن، فيغدو خطابه مشهداً عبثياً بلا معنى من شدة ثورته على فقدان عرش ليبيا العظمى.
على الجانب السوري، لم يأت الرئيس بشار الأسد بجديد في آخر تصريحاته، بل زاد من حدة مطالب الشعب، وأصبح الأخير ينادي بإعدام الرئيس، وليس مجرد إسقاطه. وفيما يعيش الثائر السوري لحظات من التفكير تقوده إلى ما يريد لمستقبل بلده وأمته، فيصعّد من مطالبه، ويدفع الأرواح فداءً لمستقبل يراه هو أفضل بالضرورة مما هو قائم الآن، تنمو الفوضى في خطاب النظام، ويخرج الرئيس بأدوات القتل التي يظن أنه لا يملك سواها لإخراس الأفواه المنادية برقبته.
المشهد برمته انقلب، ومن كان يظن أنه أمام لعبة "بلاي ستيشن" ثلاثية الأبعاد، أصبح يتلمس الحقيقة، ويبلغ الإدراك. فالتخبط والفوضى والدمار لا تأتي من ثائر يريد تحرير بلده من عبودية الأنظمة القمعية الاستبدادية التي تجثم على صدور الشعب كأنها حكم مؤبد، بل يأتي دمار البلاد من قيادته غير المرغوبة، وبتصرفات جنونية تضع معادلة "إما أنا أو الفناء" أمام أعين النظام فلا يبصر هويته.
معمر القذافي يعتقد أن ليبيا تعرضت اليوم إلى هجمة استعمارية تتطلب تحركه السريع لحرق البلاد والعباد، وليس لديه أي خطة غير هذه الخطة التي خرجت من جهنم تواً. وبشار الأسد يعتقد أن كل سورية التي خرجت لتطالبه بالرحيل لا تعرف ما تقول بسبب مخدرات توضع للمتظاهرين في سندويتشات توزع عليهم قبيل الخروج إلى الشارع بقليل! ولذلك، هو مقتنع تماماً بأن قتل الشعب، وتدمير البلد، هما المنقذ الحقيقي للوطن.
الثورة أثبتت للجميع أنها تغيرت عن سابق شكلها وصورها التي كانت تظهر العسكر وهم يضعون المسدسات على رؤوس الحكام ويعلنون الاستيلاء على الحكم بغض النظر عن نوعية الثورة وآلياتها وبرامجها. والثورة أصبحت للشعب هذه المرة، وليس للنخبة التي اكتفت بالدهشة عند الإقلاع الأولي للشباب في ساحات الحرية والتحرير، وأزقة وشوارع المدن والقرى.
هذه الحقائق تدعو المرء إلى التمعن بمعنى الانقلاب الصريح في المشهد العربي، وكيف أن هذا المشهد قلب الثائر إلى رجل دولة سياسي محنك قادر على التصرف بهدوء لتحقيق النصر، وقلب الحاكم إلى ثوري غاضب فوضوي لا يملك من أدوات رجل الدولة غير الأمر بالقتل وتدمير البلاد. هذه الثورة العربية عظيمة بكل ما أتت به للمستقبل، وهي بالغة التأثير حتى في الصور النمطية التي عاشها المواطن العربي على امتداد عمره، وقد أسقطت بالفعل كل الأقنعة الزائفة التي تشبثت بالمرايا على الدوام كي لا تنتج غير نفسها.
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد فراس النعسان