يبدأ أعضاء مجلس النواب اليوم بمناقشة منح الثقة لحكومة الدكتور عون الخصاونة، واضعين مجلسهم أمام امتحان صعب لكسب الثقة هم أيضاً من الشعب بعد أن تعثروا في نيلها على مدى الفترة الماضية من جلوسهم تحت القبة.
النواب يعلمون أن الشارع ينظر اليوم إلى مناقشاتهم لبيان حكومة الخصاونة على أنه امتحان جديد لهم، فإن تمكنوا من اجتيازه كسبوا ثقة الشارع، وإن لم يتمكنوا من ذلك ساهموا في توسيع الفجوة بينهم وبين الناخبين. لكن هذا الأمر لن يضر بمصلحة النواب فحسب، بل سيصل إلى حدود تطال الحكومة حتى وإن كانت صادقة في مساعيها نحو الإصلاح.
المفارقة العجيبة في الأردن أن أعضاء مجلس النواب، من يمثل الشعب في التشريع، ومراقبة أداء الحكومة، وتحصيل الحقوق للمواطنين في الدولة، وصوت الشارع في السلطة، لم يقدروا طوال فترة ولايتهم في المجلس الحالي على تعزيز ثقة الناس بهم، فيما تسعى الحكومة لنيل ثقتهم لممارسة دورها في العمل بشرعية تامة!
هذه المفارقة ليست الوحيدة في الحياة السياسية الأردنية، لكنها تتواجد تحت مظلة دستورية كاملة الشرعية. لذلك لا يمكن لأي فرد المساس بها، أو المطالبة بتجاوز تحقيقها. إذن، هي مفارقة مفروضة على الشعب والسلطة، لكن ليس لأمد بعيد، فقد يقول الشارع كلمته في أي لحظة ويقلب الطاولة على النواب والحكومة إذا لم يتنبه الجالسون تحت القبة إلى خطورة الوقت، ومعنى الفرصة الأخيرة.
المستوى الفهمي الذي يتعامل فيه مجلس النواب مع الشارع يجب أن يتغير. وإذا ما منح هذا المجلس الثقة للحكومة الجديدة، فعليه أن يعلم بأنه يمنح نفسه الثقة معها. لذلك، من الواجب أن يخوض النواب في مسألة تعزيز الثقة فيهم قبل أن يأخذوا على عواتقهم حمل الطاقم الوزاري على قواعد الشرعية، وأن يتأكدوا من أن دورهم في "الفرصة الأخيرة" هو ما يقود إلى تغيير مفاهيم الشارع نحو أدائهم فيما تبقى من عمر المجلس.
أذكر أنني نشرت في العام 1996 تحقيقاً في صحيفة "السفير" اللبنانية بعنوان "مجلس النواب الأردني... قوم نائمون تحت قبة برلمان". وفي ذلك الحين سحبت دائرة المطبوعات والنشر العدد من السوق، ومنعت الصحيفة من دخول الأردن بدعوى إساءتها للسلطة التشريعية الأردنية. إلا أنني أشعر اليوم بالندم على تقييمي لأداء مجلس نواب في العام 1996، حيث أنتجت الحياة السياسية في بلدنا بعده مجالس ذات أداء سياسي أضعف بكثير، وهو ما يدعونا للبكاء على الماضي، ولكننا لا نتمنى في الوقت نفسه الوقوف على الأطلال بعيداً عن المشهد الحاضر المسكون بالضعف.
الحقيقة المثبتة أن كافة دورات مجلس النواب الأردني تعاني ضعفاً في الخبرة اللازمة لتقييم الحكومات الجديدة، وأن منح الثقة للحكومة غالباً ما يحتاج إلى روافع الوساطات على اختلاف أشكالها. لذلك تمنح الحكومات في بلدنا الثقة بالوساطة، وليس بناء على تقييم حقيقي للفريق الوزاري أو لقدرات الرئيس الخارقة.
وقد تُغضب الكثير من النواب العودة بالمشهد السياسي إلى جلسة التصويت على الثقة بحكومة سمير الرفاعي، حيث كان البيان الوزاري غير مقنع البتة، وكان الرئيس والوزراء يشكلون طاقماً لا يتناسب مع المرحلة على الإطلاق، لكن النواب منحوا تلك الحكومة الثقة العالية، ولم يقدروا على محاسبتها إلى أن تدخل الشارع وأسقطها.
على النواب اليوم أن يستفيدوا من خبرة فرصتين منحهما الشعب لمجلسهم؛ الأولى مع حكومة الرفاعي، والثانية مع حكومة د. معروف البخيت، ولم يستفد منهما النواب، لكنهم الآن أمام فرصة أخيرة إذا أضاعوها أضاعوا معها فرصتي تهدئة الشارع، وتحقيق الإصلاح.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد فراس النعسان