من يكسب المواطن؟ جدلية بلغت مرحلة الصراع ، وتحدٍ امتطاه أكثر من اتجاه، منها ما كان بدافعٍ وطني صادق وحسٍ مرهفٍ عميق، ومنها ما كان غوغائياً وتقليداً وإدعاء كاذباً لمواقف متبناة بدافع البحث عن الذات، ومنها ما كان بنشوةٍ من مال وجاه كبيرين، باحثاً عن رفعةٍ زائفةٍ غير مبنية على اساسٍ متين، ومنها الأخطر الملعون بكل كتب السماء، ما كان صاحبه مكرهاً بدوافع خارجيةٍ ، تملكته وسيرته بالاتجاه المراد المرسوم.

والحالة هذه فإن من يكسب الرهان من يجذب المواطن إليه، طوعاً وحباً، لا كراهيةً ولا غصبا متسماً بمنطق العدالة والواقعية، فعلها تكون الحكومة قبل أي جهةٍ أخرى، فهي المالك الرسمي والحقيقي لمجموعة القوى، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي قبل ذلك مالكة (الزمن) الذي أتاح لها البناء المتين بتعاقب الازمان، حين اختارت ما شاءت من الكفاءات والقدرات للمشاركة في مسيرة البناء (تجذراً وعلواً).

لكن المشكلة بفقدان زمام المبادرة من قبل الحكومات، هو تقاعسها عن واجباتها، عمداً أو غفلةً، والأخطر عجزها عن تحقيق طموحات المواطنين، وخاصة فئة الشباب، أهل الاحلام المتجددة والمتطورة على مدى مرور ساعة من زمن، فكيف إذا تخلفت عن الركب شهوراً وسنينا، وهنا يحدث الفراغ، وفي سنة الطبيعة الفراغ يُملأ فوراً ودون انتظار.

فإذا ماطلت الحكومات في تأدية الواجبات، كان ذلك مدعاةً لظهور الاتجاه المعاكس، وحينها ظهر الفاسدون،الآكلون لكل ما تراه العين، وهذه حالنا إذا صدق تشخيصنا، والأدهى والأمر إذا كان المسؤولون في أماكن متعددة من الدولة، هم الناخرين لعظامها، فأصابوها بالهشاشة والضعف، فأناخوها وكثُر جلادوها، وتناهبوها بعد أن مزقوها، فكانت هي الأضحية التي سُنت لها الخناجر والسكاكين فقطعت.

من يكسب الرهان من الأطراف المتصارعة، هو من يكسب الشعب، وليس المتحدث باسم الشعب، كما نراه في كل مناظرة وندوة، يتكلم باسمهم وكأنه المؤيد منهم بالمطلق، وأن لا يكون كلامه مبنيا للمجهول ويتغنى بحمل صفات عدة، كانت ايضاً مبنيةً للمجهول، لأنها صُنع غيره وتغنى بها فخراً وحباً وثناء، فعراه هذا الكلام غير المحمود من كثرة التكرار.

من يكسب الوطن والمواطن يا ترى (هل المعلوم أو المجهول؟) فالمعلوم هي السلطة باسمها الأعم الأشمل، تنفيذيةُ تشريعيةٌ قضائيةٌ، وأخرى إعلاميةٌ إن كانت هادفة، والمجهول هو الذي أخذت ملامحه تبدأ بالظهور فلم يغدُ مبنياً للمجهول وأصبح فعلا مضارعا ومسقبلا معلوما، ولنا في تجارب الجوار عِظة وحكمة، وعليه يجب أن لا تبقى مؤسسات الدولة معطلة تحت ذرائع شتى، أولها التقاعس والتردد وإدعاء المواقف الزائفة غير المقنعة، الهادمة على المدى القريب والبعيد.

أهل المناصب، عليهم أن يقتلعوا من أذهانهم تلك الرسوبات المتراكمة، المظهرية والفوقية والتعالِي على الآخرين، والاستمتاع بامتيازاتٍ ما شرعها القانون للذات بل للصالح العام وإصلاحه، وحرامٌ تجييرها للذات والنفس الطامعة الأمارة بالسوء، وفي حسمٍ من القول: فإن الحكومات هي صاحبة الحاجة للمجتمع، فعليها أن تُحسن التعامل معه وتوجيهه، فالأمل والمأمول أن لا يُسحب البساط من تحت القدمين من قبل المبني للمجهول.

حمى الله الأردن وشعبه ومليكه


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عبير الزبن   جريدة الدستور