بقعة سوداء نراها بين الأرض والسماء، تغطي جغرافية العرب، هي ليست من نوع الغيوم الداكنة المتثاقلة ولا من نوع السحب الخفيفة التي تجري بها الرياح إلى حيث يشاء الخالق، إنها خلاصة أنفاس وزفير وآهات وتأوهات شعوب حلّ بها الموت وتعفن بها الجرح، وشبع من أجسادهم هوام الأرض ووحوشها .
العرب لبست العقال الأسود على الرؤوس حزنا على ضياع الأندلس، ومع ضياعها تزامن حلول الموت عليهم فأبيد منهم خمسة ملايين نسمة وشرد ثلاثة ملايين وتنصر الباقون، فبماذا يعبر العرب اليوم عن حزنهم على مَنْ حل بهم الموت في العراق و سوريا و لبنان و اليمن و مصر و ليبيا و تونس و الله أعلم بالقادم المشؤوم ؟؟
.
هل من دواء يوصف لعلاج هذا الوباء وإيقافة عن مزيد من الانتشار، أو أن المفتت قد تفتت أكثر وأكثر وأن المقسم أصلا قد قسم أكثر وأكثر، ثم من الذي حرف البوصلة عن اتجاها الصحيح؟، من تحرير فلسطين إلى دمار جيوش العرب التي كانت الأمل ومثبتا على نواصيها تيجان العز والفخار، ويعلق على صدورها أوسمة الشرف، فذابت من مسارح العمليات، وشوهد بقاياها بين الأزقة و الأروقة و الجدران، خائفة مذعورة تقتل من أهلها من دون حساب .
العرب يقتلون بعضهم بعضا اليوم، والسؤال هو لصالح مَنْ؟ ! ومن الذي خطط لهذا القتال؟ وما هي الغاية من وراء ذلك ؟ لقد بدأت البقعة السوداء تتكشف، إنه التمهيد للدولة اليهودية، فحين يتم إعلانها، تكون الأمة ألعربية جثة هامدة، لا اقتصاد ولا جيوش، ولا جبهات داخلية متماسكة، جوع وفقر وحرمان و تركيع، وليس هناك من يحزن ويلبس لهذا الحزن العقال الأسود.
لماذا الانتحاريون، الأحزمة الناسفة، السيارات المفخخة، البراميل المتفجرة، والمنظمات الإرهابية المتنوعة، توجه آلة الموت إلى أرض الشام والرافدين والكنانة، ولم يوجه باتجاه من صنع كل هذا الموت، الذي قطف ثمار كل هذا المسمى بالربيع؟؟ .
بالأمس القريب و القريب جدا، في زمن الشهداء الأحرار، كان الموت والاستشهاد كله لأجل فلسطين، وكان البعض من المسلمين الذين يحجون بيت الله الحرام، يرون أن استكمال حجهم هو بالتقديس؛ زيارة القدس الشريف، أولى القبلتين و ثالث الحرمين الشريفين، واليوم يفاخرون بالموت بعيدا عنها و يقولون عنهم شهداء .
في بلاد العرب تخرج الدموع من العيون حزنا و ألما و خوفا و رعبا، في عيون الأطفال و النساء، وعند غير العرب تخرج الدموع فرحا و مرحا و سرورا على ما حل بهم، في عيون أهل السياسة و أهل الدين، بعض العرب يعشق من بالجوار، ويقاتل نيابة عنهم فأصبح العرب أعداء العرب، والسلاح لايصوب الا للصدر القريب، حتى يشبع لحما ويكسر عظما .
حزننا وألمنا على أبناء جلدتنا العرب، أما نحن -بمملكتنا- فإننا نحمد الله على ما حبانا به من شعبٍ واعٍ، ونظامٍ هاشمي إنساني، قدوة لغيره في كل جغرافية الأرض، فحمى الله الأردن وشعبه ومليكه.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور
login |