أصبحت التابوهات منثورة كالألغام هذه الأيام، وصار ما يعتبره أحد الأطراف قمة الوطنية، يعتبر عند آخر خيانة واجتراءً على المقدسات. وخوفاً من مغبة الخطأ، يهذي المرء فيعثر بأصغر الأشياء. وقد ينشغل بشيء عارض، يتضخم في لحظة ليصبح مركز الكون. هكذا حدث اليوم في حمأة الجدالات حول الممكن والممنوع، حين اختلط الكلام في صخب مشوش مبهم يصيب بالعصاب، فتمدد على كل شيء طيف ربطة عنق خضراء باهتة مبقعة عملاقة، مثل لوحة سوريالية أورويلية.
أسماها زوج عمتي العجوز "أبو خليل" "الرّسن". وحكى مراراً قصة انتصاره على مثقف متحذلق في نوبة جدل سوفسطائي. قال المثقف لزوج عمتي إن قصه لحيته بدعة تخالف سنة السلف. فسأله أبو خليل وهو يشير إلى ربطة عنقه: "هل كان السلف الصالح يضعون "رسناً" حول أعناقهم مثلك؟". ويقهقه أبو خليل وهو يروي القصة بفم أدرم، وبالكثير من الاعتداد.
تفسير فطري، ربما يصلح مكاناً للبدء. والرسن أداة للضبط وإحكام القياد والتوجيه. وببعض المعاني، تمكن رؤية ربطة العنق، "القرفطّة" أو "الكرافة"، عناناً أو رسَناً بكل بساطة. مثلاً: هل يمكنك أن تلعب كرة القدم بطابة جوارب في الحارة وأنت بربطة عنق؟ قطعاً لا، لأن "الربطة" تجبرك أن تكون "رسمياً"، وليس شخصاً خفيفاً يلعب بربطة، فتربطك.
ربطة العنق إذن سلطة، حتى ولو أنها مجرد قطعة قماش فائضة طويت بعناية ولُصقت خلفها ماركة تجارية لإضفاء المزيد من الفخامة. وهي سُلطة عليك، وسُلطة في يديك: عليك، لأنها تملي عليك اختيارات سلوكية مقننة تليق بصاحب ربطة عنق؛ وهي سلطة في يديك، لأنها تحدد كثيراً نظرة الناس إليك، فيحترمونك أكثر بافتراض أنك شخص مهم وجاد وصاحب مركز، ووضعك المالي لا بأس به. ولذلك، يفضل أن تنجز معاملاتك في دوائر الحكومة وأنت ترتدي ربطة عنق حتى يحترمك الموظف ويسهل أمرك، وأن ترتديها في جاهة خطوبة حتى تجلس في مكان جيد وتحظى باستقبال لائق، وترفع رأس العريس إن لم تكن العريس. ويحسن أن ترتديها إذا كنت تخطط لخوض نقاش، لأنها تجعلك أكثر إقناعاً.
من سمات ربطة العنق، أنك ربما تعتادها بحكم الوظيفة بعد أن كنت ترتدي الجينز والبساطة، فتدمنها ولا تستطيع الإفلات من سطوتها عليك، أو إغواء سطوتك بها. وقد تجد نفسك وأنت تتنازل لأجلها عن ثوابتك، أو ما توهمت بأنه ثوابتك، فتفرط مثل حبات المسبحة في خيط مقطوع. وقد يتغير المستجدّون تماماً لدى ارتدائهم ربطة العنق، فتنبت لهم "كروش" فجأة، وتميل قاماتهم إلى الخلف بسبب ثقل رؤوسهم، فينظرون إلى فوق وهم يسيرون واضعين اليد اليمنى في جيب البنطال، أو يرمونك بنظرة مائلة وهم يجلسون في شبه استلقاءة في المقاعد الدوارة الوثيرة. ويرافق ذلك تغير في نبرة الصوت فيصبح أكثر علواً، وفي الخطاب فيصبح بليغاً فجأة، ومطعّماً بالمفردات الكبيرة، وأكثر ادعاءً باليقين.
بحثت في أصل ربطة العنق، فوجدتها من كرواتيا. وكانت أولاً شالاً يلفه جنودها حول أعناقهم في بدايات القرن 16 في فترة حرب أوروبية امتدت 30 عاماً. وكانت الحرب شرسة حتى أن الجنود الكرواتيين أعدموا شنقاً معلقين بربطات أعناقهم. ومن هنا جاء معناها الإنجليزي "نِك تاي"، ثم أعجب بها الفرنسيون واشتقوا إسمها "كرافيت" من "لا كروات" (الكروات).
وإذن، يمكن أن تكون "الكرافة" أنشوطة يضعها المرء حول عنقه بخرق، فيكون جاهزاً للشنق. وقد يكون الشنق معنوياً برهن الإرادة للقابض على طرف الربطة؛ أو أخلاقياً، حين يجعل اعتياد الربطة من صاحبها كتلة بضمير ميت أو مؤجر. وقد ألقى الأباطرة المخلوعون خطاباتهم الأخيرة المتلفزة بربطات العنق، كما لاحظنا. وبها يعلق أوباما على الربيع العربي، وبها يعلن البرلمانيون ورجال الأعمال والنخبيون مواقفهم المتبدلة من ساعة لساعة، فيما بدت لا لزوم لها بالنسبة لشباب ميدان التحرير والفقراء المحتجين الحقيقيين في الشوارع العربية.
هكذا بدت لي ربطة العنق اليوم وكأنها السبب في كل مصائب العالم. وكذلك ربطة عنقي التي ارتديتها صباحاً "تحايلاً على الحالة النفسية": رأيت طرفها الفالت يعبق بالخطر، وكأنه يعرضني لصيادي العبيد، وغمرني شعور ممضّ لا يشبه الارتياح!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة