كنت بصدد تأمل دراسة نشرتها "الغد" عن "الإعلام الجماهيري" قبل اندلاع الثورات العربية. وجاء في أطروحتها أن الإنترنت أصبح يلعب دوراً في التغيير، وفي توعية المجال العام وتهيئته وتنسيق نشاطاته باتجاه الفعل السياسي. وعند نقطة ما، قال كاتب الدراسة إن الإنترنت أصبح يلعب الآن دور التحريك الثوري الذي اضطلعت به المطبوعات في السابق. وقد استدعى ذلك مرة أخرى دور الصحافة، باعتبارها مطبوعات واسعة الانتشار والاستهلاك، والتي أصبحت تسوق منتجها إلكترونياً ليصل إلى الناس على الشبكة أيضاً. وجاء إلى الخاطر عنوان: "القلم والسيف".
"القلم أقوى من السيف" هي عبارة نحتها الكاتب الإنجليزي إدوارد بولوير-لايتون في مسرحيته "المؤامرة" في العام 1839. وفي الفصل الثاني، المشهد الثاني، يقول الكاردينال:
"لكم صحيح ذلك-
تحت حكم الرجال المليئين عظَمَةً
يكون القلم أعظم من السيف. ها
عصا السحرة العظام هذه! في حد ذاتها، لا شيء! –
لكنها عندما ترتشف السحر من يد المعلم،
لتشل القياصرة، وتضرب
الأرض العالية، لتتركها مقطوعة الأنفاس! – تلقي بالسيف إلى البعيد–
لأن بالوسع إنقاذ الدول من دونه!" (بولوير: 1939)
و"القلم والسيف" هو أيضاً عنوان كتاب لإدوارد سعيد وديفيد بارساميان. وهو عنوان ملهم. فالسيف، مثل الكلمة، وسيلة لفض المناجزات، لكنهما يتبادلان الأماكن أحياناً. فالحكم بالإعدام هو "نَصٌّ" في الأصل، لكنه قابل للترجمة إلى "سيف" وفعل يصنعان حقيقة الموت. وعندما يمتلك الكاتب عنان الكلام، وسحر البيان، وقدرة تكشيف العوالم المجهولة، ووسيلة نقل الحكمة، فإنه يصبح صانع أقدار بطريقة ما: إن امتلاك ناصية الكلمات يشبه امتلاك سيف "ساموراي" جميل حاد الشفرة، من الأغلى والأعلى مجداً بين السيوف. ولكن، ماذا إذا استخدم ذلك السيف الفاتن من أجل القتل؟ وأي فرق تختبره الضحية إذا عانقت حتفها بسيف أنيق أو بسكين رخيصة صدئة؟ النهاية واحدة، وهي ليست سارّة.
لا شك في أن فن الكلام سلطة، في قدرته على تأطير الموضوعات ووضعها تحت نظر انتباه متعاطف. وعلى الرغم من أن اللغة متاحة للجميع، فإن قلة هم الذين يستطيعون تطويعها بطريقة خلاقة. وفي عالم شديد التعقد مثل عالمنا اليوم، المحمل بالتقنيات ووسائل نشر الكلام، تصبح مسؤولية الكاتب الذي يتخذ من إنتاج الكلام حرفته، مضاعفة بلا نهاية. وبعيداً عن القواعد الأفلاطونية حول الإمتاع والتطهير، كان الفن دائماً وسيلة لتشكيل الآراء والرؤى. ويلخص الروائي الروسي ألكسندر سولزينيستاين ببراعة هذه الفكرة حين يقول: "إن الفن يخدم لمحاربة الأكاذيب ولحفظ التاريخ الأخلاقي للمجتمع من دون خطابة البيروقراطيين المتحولة والتي تفرغ الأشياء من مضامينها".
ثمة بعض الكتبة ممن لا يستخدمون فن الكلمة "لمحاربة الأكاذيب"، وإنما لتجميلها وتلميعها. وليس دور المثقف والكاتب أن يقول الحقيقة فقط، وإنما أن "يقول الحقيقة للسلطة"، كما يقول سعيد. ويتطابق قوله مع مفهوم غرامشي عن "المثقف العضوي" الذي ينبغي أن يعتنق المصالح الأخلاقية العليا، ويستثمر في الدفاع عن المحرومين والمقموعين. وربما تكتسب كل هذه الأقوال والتأملات أهميّة عليا في هذه الأوقات، أوقات الفرز، حين لا يمتلك الفنانون والكتّاب ترف المراوغة في المناطق الرمادية، ويطالبون بإعلان موقف واضح.
الذين يختارون الانحياز إلى العارض، مكشوفون ومحكومون بقدر العزلة. ولم يعد هذا كلاماً نظرياً، فكل يوم جديد بات يعرض لنا مثقفين وفنانين ممن احتالوا علينا سابقاً، ثم ألجئوا إلى الزاوية فارتعدوا وتفككوا وفقدوا الصدقية. وربما تتعلق المسألة بما أسماه سعيد أيضاً "الاحتراف"، حيث يعتقد واحدُ هؤلاء بأنه سلطةٌ في مجاله، ويعتاش منه، ويبيع رأيه لمن يدفع أكثر. وفي المقابل، هناك المثقف "الهاوي" الذي يعتقد بأنه دائم التعلُّم، وأقل من سلطة، ولذلك يكون دائماً في مواجهة السلطة، وينتقل دائماً إلى موقع معارضة جديد لأن هناك دائماً ما ينبغي الاعتراض عليه.
الآن أكثر من أي وقت مضى، وضعت الجماهير السيف جانباً، واختارت اللغة على طريقة كاردينال لايتون. والآن أيضاً، ثمة مساحة متاحة لأصحاب القلم حتى يستعملوه في غاية سامية وأخلاقية، وضد من ينبغي. وإلى جانب المهمشين الذين لا صوت لهم، والخالدين وحدهم مع ذلك، ينبغي للمثقف الحقيقي أن يكون، وإلا، فسيذهب مع الزائفين الذاهبين.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة