لستُ أول مّن يشير إلى فساد النُخب، فتلك ظاهرة كونية لا تكفّ عن تعكير صفو التطلعات البشرية إلى عيش أكثر عدالة. وتكفي الإشارة إلى أن النخب السياسية-العسكرية-الشركات التي تشكل 1 % من سكان الولايات المتحدة، هي التي تدير العالم الآن، وبالنتيجة التي نعرفها. لكنّ الموضوع بحاجة إلى زيارة في مناخاتنا الحالية، حيث تتحاور المكونات الاجتماعية وتتصارع على التغيير والثبات، وحيث "النُّخب" تتصدر عناصر التوجيه.
"النخبة"، في المُعجم: "مجموعة استثنائية و/أو متميزة، تتمتع بسلطة يُعتدّ بها في منطقة نفوذها. وقد تكون هذه السلطة مادية أو روحية أو فكرية، و/أو مالية، اعتماداً على السياق". أما "النخبويّة"، فهي "اعتقاد البعض بأن الأفراد الذين يشكلون النخبة، هم الذين يجب أن تؤخذ وجهات نظرهم حول مسألة ما، على أنها الأكثر جدية والتي تحمل معظم الوزن؛ والذين يرجح أن تكون وجهات نظرهم/ أعمالهم بناءة للمجتمع ككل؛ وبذلك تجعلهم مهاراتهم وقدراتهم وحكمتهم الاستثنائية، الأكثر مناسبة للحكم بشكل خاص".
تؤشر هذه التعريفات على الفساد الأساسيّ في النُّخَب؛ فهي تقوم، بنيوياً، على مبدأ تمييزي فوقي، قوامه التعالي والاختلاف عن الآخر "العاديّ"، الأدنى -افتراضياً- في الترتيب. وغني عن القول أن التمايز بهذا المعنى، يكون مشروطاً بالوضع القائم و/أو ما أفضى إليه. وبذلك، فإن من الطبيعي أن لا تكون للنخب مصلحة في التغيير، إلا بقدر ما يخدم احتفاظها بتمايزها على الأقل. وهكذا، وإذا اشتغلت النّخب مع قوى التغيير، فإن اشتغالها يكون "انتهازية"، وتكون تحالفاتها مرحلية وتكتيكية تنفصم عراها مع الآخر/ الأدنى بمجرد إنجاز "التغيير" الذي تفترض أنه سيعيد فرز النخب نخباً، والناس العاديين عاديين.
الملفت -ولا أدري إذا كان يمكن تغييره- هو أن هذه القاعدة المذكورة في تعريف النخبوية، هي التي تعمل الآن. فعلى أساس "أهلية" النُّخَب، تقوم الأنظمة الخائفة باستدعاء هذه النخب بالذات، وتشكل اللجان ودوائر الحوار منها بالذات، من أجل التغيير. وهكذا، يعاد مرّة أخرى تعريف الجماهير الأوسع بأنها عاجزة عن الاختيار لنفسها، وأقل موهبة من التعبير عن وجهة نظرها وتطلعاتها، واقتراح السُّبل لتحقيق هذه التطلعات. ومع أن الثورات العربية الحالية توصف بأنها حركات شبابية، تديرها أطرٌ فضفاضة، عفوية، لم تلوثها النظرية ومكر السياسة، فإنّ النّخب تزج برأسها –كما هو دأبها- في كل موضع، وتستغلّ أدواتها وصوتها العالي من أجل أن تتصدّر المشهد. وإلى حدّ ما، أصبح صراعُ الديكَة في أوساط النُّخب نفسها يطغى على ما عداه، ويصادر أدوار الجمهور الحقيقي الذي دفع الكلفة الأولى والأعلى للتغيير. وفي أحسن الأحوال، تجري استضافة ممثلين عن "شباب التغيير" بشكل خجول، وعلى أساس تقسيمة: الأستاذ والتلميذ.
إذا لم تكن النخب جزءا من طبقة الحكم أو متحالفة مع الحكام الأحَديين في النُّظم الدكتاتورية، فإنها تصل إلى هذه المرتبة عن طريقة الفرصة، والقدرة على اغتنام هذه الفرصة. وهي تتنافس ضمن هذه الدائرة على الامتيازات، لكنها تبقى متحالفة أمام "الخارجيين". ومن هؤلاء الخارجيين، مرحليّاً، نخَبُ في طور السّعي، أقل امتيازاً وأكثر احتجاجاً بحيث يمكن أن تصنّف "معارضة". وفي وضعها المتأرجح، يمكن أن تستأنس بالحراك الشعبي لاستدعاء الانتباه، لكنّ عينها تبقى دائماً فَوق، وأميل إلى المجاملة تجاه الدائرة التي تأمل بأن يُفسح لها مكان فيها. 
بطبيعة الحال، سيكون استبعاد النُّخب المتمتعة بمختلف السلطات من توجيه التغيير تصوّراً مثالياً، وغير عملي. لكنّ من الممكن تأمّل أن يتقدّم الاستعداد الأخلاقي في بعض النخبويين إلى الواجهة، ولو بدفع براغماتي قوامه الاستفادة من حامل الجمهور، بحيث تكون النُخب مستعدة لتقاسم الامتيازات مع هذا الجمهور ومجاملته هو، واستمداد شرعية تميّزها منه.
ومع ذلك، وإذا لم تكن هذه القراءة متجنية على النُّخب، فإنّ على الجمهور إدامة الضغط على هذه النخب التي تدّعي الأهلية للتحدث باسمه ومصادرة منجزه، ومحاولة لجم انتهازيتها البنيوية، أو توظيفها في إجبار النخب على الانحياز إليه. وبغير ذلك، ستفرَد الساحة فقط لصراع الديكة المألوف بين الساسة والاقتصاديين والعسكر والمثقفين ومختلف أعضاء النخب. ولن تروق النهايات للكثيرين إذا قاد هؤلاء -على هواهم- مسيرة التغيير.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة