الذين يتحدّثون عن الوحدة العربية الآن، يُصنّفون غالباً في جماعة الحالمين أو المجانين المتعلقين بحبال الأمنيات. وقد أصبحت مغامرة النطق بفكرة "القومية العربية" تستدرج الاستهجان، باعتبار أنّها تعني مُصادرة الهويات العرقية، والقُطريّة، بل والعائلية العزيزة. وباختصار، اشتغلت مجموعة من القوى الداخلية والخارجية بدأب على إسقاط هذا الخيار الاستراتيجي الحاسم من الخطاب السياسي العربي السائد.
المُشكلة هي أن التكتلات والاندماجات والتكاملات الفوق-قُطرية، أصبحت هي التي تُعرِّف الجغرافيا السياسية في هذه الأوقات التي يُعاد فيها تحديد مركز العالَم وأطرافه. ويبدو في الأفق المنظور أنها لن تكون هناك فُرص للدولة القومية (الأمة-الدولة) في الازدهار والمنافسة، بل وربّما في البقاء في غابة العالم. ويدرك ذلك كل الاستراتيجيين الواقعيين وصانعي السياسات الحصيفين في المناطق الواعية للتطورات الكونية. وبطبيعة الحال، لا أحد يُعنى بذلك في المنطقة العربية المنشغلة الآن في عمليّة مُتأخرة وبدائية قياساً بالمرحلة العالمية: ترميم الكيانات القُطرية المُتهالكة أصلاً؛ بل ومحاولة ترميم الكيانات الفردية للمواطنين العرب، المنتهكة والمثخنة بالهزائم. ومع ذلك، تكشف الأحداث عن شوق بنيويّ أصيل في قاع الوعي الشعبي العربي إلى الاستئناس بصوت وقوة المجموع. وقد عبّر هذا النُّزوع الكليّ عن نفسه في شكل استلهام المواطنين العرب الشجاعة من الأشقاء في دولة أخرى. وبشكل طبيعي، عنون الجميع كلّ هذا باسم "الربيع العربي،" ونسبوه ببساطة إلى عنوانه الأخير الحتمي: "عربي".
الآن، أترددُ مثل غيري في إيقاظ عنوان "الوحدة العربية" في هذه المناخات الموسومة بالاضطراب، والغارقة في الظلال المرعبة لاحتمالات انفجارات الصراعات الأهليّة المحليّة في القطر الواحد، وعلى أسس فئوية تهبط أحياناً إلى مستوى القبيلة. لكنّه استفزّني شيء قرأته للاستراتيجي البارز زبيغنيو بريجنسكي، وهو يتحدث عن تصوّراته لاحتفاظ الغرب بدور ريادي في ضوء التحوّلات الجارية في مراكز النفوذ العالمية. وكان من وصفته التي تضع المصلحة الأميركية الخالصة في قمّة الأولويات، ضرورة قيام "أوروبا موسّعة" موحدة اقتصادياً وسياسياً، والتي تضمّ حتى روسيا نفسها. كما يرشّح بريجنسكي خيار التوفيق بين الصين واليابان، ويستشرف لأميركا دور العرّاب والخاطبة في تنظيم هذه الكتل والكيانات الكبيرة، بما يضمنُ توازناً بين الغرب الموسَّع المتحد وبين القوى الصاعدة، في محاولة لتجنب استفراد أحد بالهيمنة –أو خروج أميركا بلا دور في القِسمة. ويقول بريجنسكي إنه اقترح على الصينيين تكوين تكتل جديد "مجموعة الاثنين الكبار" بين الولايات المتحدة والصين، لفائدة الطرفين. وفي كلّ هذا، ظلّ العرب خارج حسابات بريجنسكي، حتى مع الربيع العربي، لأنّهم مع كثرتهم وقلة بَركتهم، ليسوا قوّة عالميّة يُحسب لها حساب. وقد شخّص الاستراتيجي الماكر ببراعة نوع المرحلة التي يمرّ بها العرب الآن، فقال: "يجب أن لا نخلط بين الصحوة السياسية في العديد من البلدان العربية (...) وبين الظهور الفعلي للديمقراطية. قد يؤدي ما يحدث هناك إلى الديمقراطية، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى دكتاتوريات شعبوية".
ويستفزّنا هذا، لأنه يفتح عيوننا على راهن تلخصه العبارة المتحسِّرة: "نحنُ أين، والناسُ أين!" فحين تبحثُ الكُتل الكبرى عن مزيد من الوحدة خوفاً على نفسها، نُعالجُ نحن التفسُّخ الاجتماعي في أصغر الوحدات الجامِعة لدينا، حتى أنّ شعار الوحدة العربية ارتفع بالكاد في أيّ من حقول الربيع العربي، على الرّغم من إدراكنا الغريزي لحقيقة أن هذا "الحلم" هو الكفيل غالباً بتحقيق الخلاص الفردي والجمعي، وبوضعنا في جهة الفاعِلين بدل التابعين.
من الفائض التذكير بما نعرفه جميعاً عن المقوّمات الفريدة والطاقات الهائلة التي تنطوي عليها الوحدة الاقتصادية والتكامل السياسي والعسكري لمنطقتنا. ونعرف أن تحقيق حُلم الشعوب العربية بالوحدة لا بدّ أن يمُرّ بإسقاط الأنظمة المتغرّبة التي جهدت في إجهاض إمكانات العرب وتطلعاتهم، وحيّدتهم من المنافسة مع القوى التي يَعملُ الحكام لديها، لكنّ ثمة خطأ منهجياً أيضاً في إدارة الخطاب العربي الشعبوي: الوقوع في غرام العناوين الفرعية وتحييد العامة والاستراتيجية، بذريعة الواقعيّة والمرحلية. حدث ذلك في قضية فلسطين، بالتخلي عن "فلسطين التاريخية" فآلت إلى هذا البؤس. وكذلك يحدث مع العنوان الاستراتيجي الوجودي والعمليّ الوحيد لتجاوز بؤسنا المقيم: تحقيق "وحدة عربية".. ولِمَ لا؟!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة