"خارجاً من صدر الأثير.. ساقطاً من طيات أردية الغيم حينَ تهزّها الريح.. على الغابات الكابية، العارية.. على الحقول المحصودة -المتروكة.. صامتاً، ناعماً، وهادئاً يهطل الثلج.
ربّما تتخذ أهواؤنا الغامضةُ، فجأة، شكل تعبير ما، إلهيٍّ.. وقد يُدلي القلب المتعَب باعتراف، أبيضَ. لكنّ السماء المثقلة، أيضاً، تبوح بحزنها الدفين.
هي ذي قصيدة الأثير، يخطّها بأناة، بمقطع بلا صوت.. هو ذا سرّ اليأس المحبوس طويلاً في صدره المُحتقن بالقتامَة.. يبثّه الآن، همساً، للأشجار والحقول".
هكذا يقرأ الشاعر الأميركي، هنري وادزوورث لونغفيلو، عواطف الطبيعة في قصيدته "نُدَف الثلج،" فيفتح احتمال حوار آخر معها مختلفاً -في اتجاهين. ونحن لا نتخيّل الثلج عادة هكذا، وإنما نحتفي به دائماً كزائر أخرس لا نعطيه للكلام –أو هكذا نريده أن يكون، مستمعاً فقط. وفي الحقيقة، ومثل أغنيّة سمعناها في مناسبة خاصّة، ربّما يحرّض فينا الثلج ذكرى منسية في غُرف القلب القصيّة، فنكتمها عنه لأنّه غريب.
ربّما أخطأتُ أنا أيضاً، حين كرّرت ما أفعله دائماً كلما هطل الثلج، فبحثتُ في كتبي عمّا يقوله الشعراء عن القطن الأبيض. الآن، بعد قراءة لونغفيلو والتفاوض الصعب مع اللغة لترجمته، أنظر من نافذتي إلى الذين يمرحون في الحقل المتروك المغمور بالثلج أمام المنزل، فأرى شيئاً مغايراً: أتهجأ كتابة الأثير التي تتراصف وترتّب نصّها على صفحة السهل. وهناك أبعد في الخلفية، وراء الصبية والسيدات والشبان الذين يلعبون بالثلج، شجرات زيتون مجلّلة بالبياض، وسطوح "كرميدية" حطّ على أكتافها البياض، تبدو وأنها تريد أن تقول للمنشغلين أيضاً أشياءها الدفينة، مثل بقيّة الكائنات. وأبعدُ، مُحيطةً بكلّ شيء، هناك السماء العالية المتلفعة بأردية الغيم المتطامِن، تحاول أن تبثّ قصيدتها البيضاء مع رسُل النُّدف الطائرة، لكنّ المرحين يكوّرونها في قبضاتهم مباشرة، ويتراشقون بها بدون أن يقرؤوها!
الطبيعة لم تكن يوماً صريحةً بعد كل شيء. فهي لا تُفصح عمّا يغضبها أحياناً فتثور، وعمّا يرضيها يوماً فتروق وتخضرّ. لكنّها المستودع الأزليّ الهائل الغريب لأسرار الكائنات. وهذا الأثير شبكة عنكبوت بيضاء هائلة ممتدة الأطراف، لا تفلت من خيوطها همسات عاشق، ولا آهة متألم ولا شكوى مظلوم. فلا عجب أن يكون هذا الصدر الواسع الذي يحتضن الكائنات وأسرارها أكثر من مُتعب من الاستماع. ونحن، لا نبدو راغبين في حمل شيء من حمله عنه، بمزاولة شيء من الاستماع الحكيم الكتوم لأسرار الآخرين بدلاً عنه. ولو أرادت السماء أن تعيد لنا ما نودعه لديها كما هو، بلا عناية بطهارته وهيئته، لشوّشت ترتيبنا وأحاطتنا بركام خَرِب. لكنّ هذا البوح الثلجي الأبيض بالتعب الذي سببناه لها رائعٌ جدّاً، ويعلمنا شيئاً.
بمقارنة الوسائل، نرى كم من ضجيج الألوان غير المريح والأصوات العالية تصنع رسائلنا في هذا العالَم. شاهدوا كَم من الطلقات تعول الآن في أكثر من مكان في طريقها إلى اختطاف هبَة الحياة من جسد كائن. كَم من العناية يبذلون لتمويه الملابس العسكريّة بألوان غير الأبيض، حتى لا يمّيز الضحايا كُتل الجنود المتربصة عن الأشجار والتضاريس الميّتة حين يفاجؤوهم بالقتل. كَم من ملابس الحداد السود فقط يوزّع الأباطرةُ الساديّون على الآباء والأمهات الثكالى في البيوت التي سخّمتها القذائف. كَم هم الذين يتآمرون في الغرف الخلفيّة على وجود الآخرين، ويسجلّون أوامر التنفيذ بالكثير من الحبر الأسود. كَم ننفق من الوقت لتمويه الهيئة بالملابس ومساحيق الوجه الملونة لنخدع الآخرين، ونقرئهم عنّا نصاً زائفاً! ربّما يفسر هذا الضجر من زحمة الألوان لماذا ننتظر لون الثلج الواحد المريح.
لم يكن لونغفيلو محترف كآبة وقاسي القلب حين ذهب أبعد ليقرأ شيئاً في ندف الثلج. ولا أعرف تماماً إذا أراد أن يقول هذا بالضبط، لكنّ قراءته للنهايات القصوى متفائلة وبيضاء: شاهدوا أمّنا الطبيعة العجوز الكتومة حين تبتئس جداً، وتستنفد كل وسائلها من القسوة واللين، وتمتلئ تماماً باليأس والتعب، تركن إلى هذه الطريقة الأخيرة لتطهير القلب وطرح الكآبة: كتابة العتَب في قصيدة بيضاء، وإرسالها هادئة ناعمة، هَمساً، مع ندف الثلج، في شكل هذا الفرح الأبيض الطاغي. فهل نستمع؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة