سوف تكون المراهنة على توكيل الأنظمة القديمة نفسها بإدارة التغيير في المنطقة العربية بحسن نية، مراهنة خاسرة على الأغلب. فالمنطق يقول إنّ أحداً لن يعمل على تفكيك نفسه، إلا إذا اهتدى إلى أنّ التنازل باتجاه إقامة علاقات أكثر تشاركية مع مواطنيه في المسؤولية والمكاسب سيكفل له بقاءً أكثر صحية وفائدة. لكن ذلك ليس مرجحاً –كما أثبتت خبرة الربيع العربي- لأنّ العقل الاستبدادي لا يقبل التفاوض أصلاً، ولا هو يعترف أبداً بأن فيه خللاً يحتاج إلى إصلاح. وتحت الضغط فقط، يمكن أن يتنازل ظاهرياً، محتفظاً بنظرته المتعالية التي تجعله يزدري الناس الذين اضطر للتعامل معهم بعد أن اعتاد رؤيتهم من العلوّ نملاً يسحقه بعقب الحذاء العسكري.
ولن تنفع أيضاً إعادة إنتاج نفس الأيديولوجيات الفوق-طبيعية التي تحكمت في الذهن الجمعي العربي قروناً، وساهمت هي الأخرى بحصة كبيرة في تأخير المنطقة وإعاقة عقلها الاجتماعي. وقد مُنحت هذه الاتجاهات كلّ الوقت فرصة التواجد القوي والعمل مع الأنظمة السياسية على محاربة الأفكار الجديدة. وفوق ذلك، لم ينتج سخط الجمهور العفوي وغير المهيأ برؤى واعية للحاضر والوجهة، سوى توفيرعربة لعودة هذه البدائل القديمة نفسها لتعود إلى التنافس على ظهور الشعوب.
وليس الأمر أن هذه المنطقة كانت عاقرا تاريخيا وعاجزة عن إنجاب الأفكار والاقتراحات الجديدة، لكنّ حجم العناد وقوة التسويغات التي تستند إليها المنظومات السائدة والمتجذرة مارست نوعاً فريداً من التشويه والتعذيب والتشهير ضد أصحاب الأطروحات الجديدة. وأفضى ذلك بطريقة منهجية إلى إقصاء الطرف الذي يمكن الاعتماد عليه في تطوير العقل الاجتماعي والاضطلاع بمهمات التنوير والتغيير: المثقف/ المفكر.
لكنه كان على المثقف العربي أن يواجه دائماً ثلاث طبقات من القمع: ضغط طبعه الخاص الذي أنشئ على الخضوع للشرط الاجتماعي؛ ومواجهة رفض العقل الجمعي غير المدرب على التحاور والاستنطاق؛ وقمع السلطات السياسية وحلفها الذي يحتكر امتلاك الحقيقة و/ أو المال، ولا مصلحة له في تغيير أي شيء. ويبدو أن نوع الوصاية الذي مارسته كل هذه القوى على المثقف العربي كانت أقوى من أيّ إمكانات فردية، وبطريقة ليس لها مثيل تقريباً. كما ساعدت الهزائم الجماعية المتلاحقة على خذلان المشروعات التنويرية وتخويف الناس من المثقف، باعتباره داعياً إلى نزع الاستقرار وإيقاظ القلق والشكوك، وزرع الآمال الخادعة. بل جرى ربط الثقافة الجديدة بالتغريب والإلحاق، وتهديد الأخلاق واللاواقعية، والهرطقة.
كل ذلك أفضى إلى نزوح/ نفي المفكر من مركز الحدث بشتى الطرق. وهناك البعض ممن هاجروا، فيزيائيا، إلى الغرب، وتمّ إلحاقهم بالتالي بمنظومة الفكر المضيف، وأصبحوا "خارجيين." وهناك آخرون ممن انحازوا إلى السلطات وعملوا ضد زملائهم؛ وآخرون انسحبوا إلى الأطراف والهوامش. وفي الحالة الأخيرة، أفضت وحدة المثقف المُنسحب ومحاولاته التعايش إلى شرخ شخصيته وازدواجية معاييره، وإضافة الاغتراب الداخلي إلى التغريب الاجتماعي. وفي الأحوال الأخيرة، نشط مثقفون في توصيف الجزئيات، وعرضوا ما يروق للحماس الاجتماعي، وحققوا بذلك شكلاً من الشعبية الانتهازية والرضى الزائف عن الذات، دون أن يلامسوا الكليات أو يغادروا المساحات المسموحة في الغالب.
إذا كان يمكن اقتراح "المثقف/ المفكر" كإجابة عن سؤال "الساخط الذكي" غير المتصالح مع الجمود والقادر على اقتراح التغيير، فإنّ نزوح المثقفين ليس خياراً. وللمقاومة، يحتاج المثقفون بدءاً إلى تعزيز الأطر والتجمعات المضيافة التي ينبغي أن توفر لهم نوعاً من الحماية والثقة والانتشار. ويجب عليهم ثانياً التطهر من التعالي ورفض الآخر ورأيه، والتعامل على أسس غير العداء الذي كشفه الحوار الإقصائي حول المتغيرات العربية الأخيرة. وينبغي استثمار انفراج الحريّات في التقدم وحجز مساحات يمكن أن تستوعب الأفكار الجديدة، والتشبث بها. وقد لاحظنا شيئاً من الشجاعة في إعلان وجهات نظر لم يكن يمكن الاجتراء على قولها قبل سنتين من الآن. لكنه لا ينبغي أن يفتح الناس الطرق للمثقف الذي يُفترض أن يفتح لهم الطرق.
لن يكون هذا سهلاً، لكنّ الافتقار الذي كشفت عنه المحاولات العربية لوجود المقدمات الفكرية البديلة المألوفة لدى الجمهور، تتطلب البحث عن سبل للشروع في التأسيس لهذه المقدمات، وأولها: عودة المثقف من مختلف أشكال النزوح.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة