الحياة تمضي في الأردن وتتقلب الفصول. غاب ربيع وذهب صيف آخر، ودخل الخريف وننتظر الشتاء، وما يزال موضوع "الإصلاح" يتفاعل، ومعه الاختلاف على معناه وأدواته وغاياته. وقد تغيّرت حكومات، ولم ينحسر الشدّ والجذب، ولا نقص منسوبُ السخط. وصرنا على أعتاب انتخابات برلمانية ينبغي أن تكون "تاريخية"، ثم حكومة كان ينبغي أن تكون "برلمانية". والتفاصيل كثيرة، لكن الخلاصة المحسوسة على مستوى الفرد، وعلى مستوى البلد: دوام الأزمة وانعدام اليقين!
سوف يذهب أردنيون إلى صناديق الاقتراع، وإنّما بدوافع الانتخاب إيّاها: العشيرة؛ الجيرة؛ الاعتياد؛ عشرة دنانير –أكثر أو أقل- ثمناً للصوت؛ الخوف مما يُشاع عن عقاب غامض سينتظرك إذا تبيّن أنك لم تنتخب؛ وربّما القليل من الأمل. وسوف يكون معروض المرشحين نفسه: شخصيات اقتصادية من الأثرياء؛ رموز سياسية مكرورة؛ وجوه عشائرية؛ جماعة حكومة وآخرون محسوبون "معارضة".. وسيقاطع آخرون الاقتراع، لأنّهم غير قانعين بعدالة قانون الانتخاب، أو لأنّهم –ببساطة- لا يأخذون "الديمقراطية" المطروحة على محمل الجدّ، ويعتقدون بأنّ حصيلة الانتخابات سيّان على مستوى العناء الشخصيّ، وبأن الأمور ستذهب في وجهاتها المرسومة سلفاً، سواء انتخبوا أو قاطعوا.
بعيداً عن الخيبات التي خلفها "الربيع العربي" في أكثر من مكان، بدَت الأمور خلال كل هذه الفترة من الحراك الأردني، وكأنها طباق لقول الأشقاء السوريين "دقّ الميّ، وهيه ميّ". أصحاب القرار يفاوضون من موقع صاحب الوقف الموقوف عليه حصراً وحتماً، و"يُحاتفون" على بيع المواطن حصّة من السلطة، بإعراض وتجبّر البائع المُكره. وما أوحت لنا هذه المساومة المطوّلة بشيء من سماحة ولا طيب خاطر، وإنّما تُنتزع فيها "مكاسب" الناس انتزاعاً كما تُنزع الشوكة من كتلة صوف. والمعارضة المنظمة تحسب الأرباح والخسائر، وتتصرف بحذر السياسيّ بدون قطع شعرة معاوية. والمواطن العفوي الساخط، المنتمي ببساطة إلى حاجات أسرته اليومية، ضائع بين هذا وذاك. وكذلك حال شباب الحراك الذين يخرجون دائماً من الربيع، بلا ربيع.
لم تتأسس أحزاب جديدة. وبدا هيكل السلطة المترسخ غير قادر على ابتلاع فكرة الأحزاب بعد كل هذا العداء. وهكذا، غابت أي طروحات لبرامج جديدة خلاقة، واقعيّة وجذابة وتعدُ بالتفاؤل. أما جهة المعارضة التقليدية الوحيدة التي يمكن تمييزها، والتي كسبت تفردّها بالتنظيم والنفوذ من إفراد نفس السلطة التي تعارضها كلّ المساحة لها وحدها كل الوقت، فتخرج الآن من الحسبة. وكان "الإصلاح" الاقتصادي الذي عرضه العقل المرشح بقوة للبقاء في الإدارة، هو رفع الأسعار وكلفة العيش على المواطن المسكين، وتحميله عبء تعديل ميزان الموازنة وأخطاء التخطيط، باعتبار ذلك واجبه الوطني. ويصعُب تصور أن العقل السكوني غير الديمقراطي بطبيعته، وغير الابتكاريّ، سيتحول ليجعل عمّان مثل دبيّ.
وفي كلّ جدل الحراك، تجنّب الجميع ملامسة المسألة الأكثر جوهرية بما ينبغي من المسؤولية: تعريف المواطنة والأردنّية. وإنّما طاشت أفكار تتعارض وجودياً مع فكرة المأسسة وحُكم القانون. وقُسّم الأردنيون إلى موالين وخَوَنة، وأصليّين ودُخلاء، ورزينين وزُعران. ولم نتقدّم جميعاً وبحسن طويّة نحو شطب عبارة "الأصول والمنابت" من قاموس الظاهر والمُضمر في الخطاب الأردني. وبدا تكرار العبارة وأنّه يقصد عكس ما يزعم أنه يعنيه، فيعيد التذكير بتصنيفات لا أقل من عنصرية وسيئة السياق بدل إقصاء الفكرة المدمّرة. والنتيجة، التشتيت، وتحييد طاقات أردنية حاسمة وإحباط رغبتها في المشاركة، فتقويض التنمية السياسية والاقتصادية والبشرية وأيّ مشروع نهضوي واقعي. وبشكل ملحوظ أيضاً، كثرت الأناشيد "الوطنية-الحربية" لإيهام الناس بأنّ الأردن في حالة حرب: مع مَن؟!
هكذا مقدمات لا تبدو واعدة بتغيير تقدميّ يحرّر البلد ومواطنيه من الشكوك والقلق. وربما يكون الإيجابي الأوضح في كلّ هذا هو أنّ حجراً قد ألقي في البركة الآسنة، واجترأ النّاس على إعلان بعض السّخط المخنوق، بدرجة أو بأخرى. وإذا تراجعت تعبيرات هذا الشعور، لأيّ سبب، فإنّ ذلك لن يلغي العاطفة الكامنة والقابلة للانفجار في لحظة؛ كما تبيّن. ربّما يمكن شراء الوقت واختصار حصّة المواطن، لكنّه أيضاً وقت لتعاظم الضيق وتداعياته إذا استمرت الأسباب؛ إذا عدنا من كل هذا في آخر اليوم لنقول: "كأننا يا بدر لا رُحنا ولا جينا"!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة