قال صاحبي، وقد ألبَس تقاسيمه مسحة تأمل بوذيّ: أعرف أنني لست طويلاً، لكنني أفضل السّير مع أحد أقصر مني، فأعتقد للحظة بأنني طويل. لكنّ هناك من يعالجون مركبات النقص مثل الساحر البارع يخطف بصرك، ويفك الخيط المعقود ألف عقدة. فإذا كان واحدهم معتدل الطول، مثلاً، يظل يكرر لنفسه وعلى الملأ أنّه طويل، طويل، طويل... والعجيب أنّ الأمور "تزبُط" -ولا تسألني كيف. عند نقطة حرجة، ومن كثرة التكرار الذي يعلّم الشُطار، يؤمن الشخص إيمان عجائز بأنّه طويل فلا يرى أطول منه. والأنكى أن الذين من حوله يشرعون برؤيته طويلاً أيضاً، أو يقولون له إنه طويل بمناسبة وبلا مناسبة -مجاملة أو اتقاء لصفاقته إن هم صارحوه بحقيقة قصره. وماذا يعنيه أخيراً مما يضمرون إذا أعلنوا ما يرضيه؟ ومثل السحر يا صاحبي، تتغطى الحقيقة بغربال واسع الثقوب.
قلتُ: مالك هذا المساء؟ قال: أتراني أهذر؟ قل لي: أما رأيتَ حولك مَن يتقن خدائع التسويق، أو يتبناه مُعلن بارع، فيبيع غثه على أنه سمين، ودائماً يجد من يشتريه لكثرة ما يقال إنه ثمين، ثمين، ثمين؟ ألَم يصادف أنّك علَّمتَ أحداً فضلاً، ودارت الأيام فقدمته عليك بالفهلوة، فأصبح يتعمّد تخطيئك حيثما استطاع، وجعَل أبيضك أسود وأسودك أبيض من باب النكاية، ثم لم ينتصر لقضيتك أحد من المرائين؟ قلت: بلى. قال: أما رأيت أحداً يخطب في الناس على مائدة أو منبر، فيشرّق ويغرّب ويخلط عرباساً بدرباس، لكنّ الحضور يقاطعون سفاسفه بالتصفيق، زاعمين طرباً بما لا يُطرِب، ومدعين فهماً لما لا يُفهم؟ أم أنهم ينسحرون، فيرون خفّة اليد ألوهة؟!
قلت: اسمع.. لقد سطلتني، لكن معك حق. أتعرف؟ قال: لا أعرف! قلت: عرفت شخصاً كان غامق السمرة بالغ النحول، ميؤوساً من زيادة وزنه كيلوغراماً ولو أطعمته جملاً. ثم دارت الأيام، وغاب فجاب، فإذا بوجهه ابيضّ وتورد وطفح بالعافية –أنت لا تسألني كيف- وامتلأ وأشرق وتأنق، وبرزت بطنه وانتفخ صدره وانسرحت رأسه وراء في عرض كامل للعظَمة. وبعد أن كان ينصت مطرقاً متواضعاً أيام زمان ويترك غيره يحكي، استطعت بالكاد قطع سيل حديثه الواثق بمداخلات قصيرة: -صحيح، فعلاً، مزبوط، آه والله، أحسنت...! أتعرف؟ قال: لا! قلت: يا ما رأينا المال والنفوذ يفكان ألسنة طالما كانت معقودة فأصبحت بعد العَيِّ تنقّط بلاغة، ولا تسألني كيف. المهم أن تثق بأنك مهم، ولا بد أن يكون ما تقوله مهما، وما تفعله مهمّا، وكما قلتَ يا صاحبي: "تزبط" فيتلقف الناس حديثك وكأنك أبو الحكمة، ويجلسون بين يديك مندهشين فاغري الأفواه ملتمسين البركات!
وغيرّنا الموضوع –أو هكذا اعتقدنا. تحدثنا عن السياسة، فطافت دائماً صورة السياسي الفارغ الذي يعرضونه للناس على أنّه مليء، ويكررون أنه مليء، فيصدقه الناس ويجلونه ويتمسحون به وهو يستغبيهم. تحدثنا عن أعمالنا وأحوالنا، ودائماً كان هناك هذا الترتيب المائل للأحوال والمقامات، فلا تعرف لماذا الذي فوق فوق، والذي تحت تحت. ولم تخفّ كثافة الهواء الثقيل. فعاود صديقي تمرينه السفسطائي، وسأل: أتعرف الفارق بين التواضع والضِّعة؟ قلت: طبعاً أعرف.
قال: أخطأتُ في ذلك يوماً، فوصفت نفسي بالضعة وأنا أقصد التواضع أمام قريب عارف، فأنّبني على خطئي، وتعلمتُ الفارق بالطريقة الصعبة. لكني تعلمت المعنى وما تعلمت الممارسة. منذ أنبني قريبي وأنا أفكر كيف يمكن أن أكون خلوقاً، فأتواضع، فلا يضعوني. وقد رأيت أقل الناس حظاً المتواضعين، وأكثرهم حظوة المتطوّسين. فماذا ترى؟ قلت: كان مكتوباً على باب معبد دلفي في اليونان القديمة: "اعرف نفسك!" فمط صاحبي شفته ولم يعلّق، ولم أعرف إذا اعتصم بالصمت فهماً، أم أراد إيهامي أنّه فهم.
ثم مللنا فقمنا، وكنت شاكراً للخروج من تلك السهرة غير المرحة. ولاحظت ونحن خارجون، وكأنما أرى صديقي القديم للمرة الأولى، أنه أطول مني ببضعة سنتمترات. واصطادني شعور ملعون بالضيق، وتملكني هاجس ماكر. وعند هبوط الأدراج، رأيت ظلّه أطول من ظلي، وتهيأ لي أنني أسمع جوقة من الأصوات التي أعرفها، تردد جميعاً بنرة شامتة جذِلة متداخلة الأصداء: أنا طويل، طويل، طويل...!
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة