القراءات المستقبلية مُعطىً مراوغ. وفي الحقيقة، لا يملك أحد التنبؤ بالخلاصات بدقة بالقياس على الأنماط التاريخية الماضية. وفي أحسن الأحوال، يمكن تأليف مجموعة من السيناريوهات الممكنة على أساس قراءة المقدمات والسياقات، وافتراض ما تنتجه البدائل على الأساس الشَّرطي: إذا حدث كذا، فسيحدث كذا. وربّما يكون من مخاطر القراءات المستقبلية التي تزعم لنفسها عرضاً جامعاً مانعاً لكافة الاحتمالات، أنها تحيّد الإرادة عندما تسوق خلاصاتها باعتبارها قدرية ولا بديل عنها. ويشبه ذلك في الممارسة قراءة البرج في الصحيفة صباحاً، وتصديقه بحيث يشكل المزاج النفسي والسلوكي معاً. فإذا قال برجك، مثلاً، إن مشاريعك اليوم ستفشل، يعتقلك الإحباط وتبتئس، وتقعد ملوماً محسوراً.
بالنسبة لفلسطين، يقول التقرير المهم الذي أعدته وكالات الاستخبارات الأميركية ليرسم احتمالات عالم العام 2030: "رأى الكثيرون من محاورينا فلسطين تنجُم من الإنهاك العربي-الإسرائيلي، وعدم رغبة الإسرائيليين والفلسطينيين الانخراط في صراع بلا نهاية. لن يتم حل قضايا مثل حق العودة، ونزع السلاح والقدس بشكل كامل بحلول العام 2030، ولن تكون هناك نهاية كاملة للصراع... ستكون حدود فلسطين تقريباً على أساس 1967، مع تعديلات أو تبادلات في الأراضي على طول الخط الأخضر، لكن القضايا الأخرى سوف تبقى بلا حل. وسيمر الطريق إلى الدولة عبر سلسلة من الإجراءات غير الرسمية المستقلة المعروفة باسم "أحادية الجانب المنسقة" التي تفضي إلى إقامة الدولة بالتدريج".
على أساس المعادلة المنطقية: إذا كان (أ) فـ(ب)، أسقط واضعو التقرير والخبراء احتمال أيّ تغير يطرأ على سلوك الفلسطينيين وقياداتهم خلال العقدين القادمين، بما يمكن أن يخلق فلسطين حرة مستقلة مستقرة، عاصمتها القدس، مع حل لمشكلة اللاجئين بالعودة، ولا حتى بغير عودة، ولا تجريد الفلسطينيين من سلاحهم. وحسب صيغة التقرير الموصوفة، لن تختلف فلسطين 2030 جوهرياً عما هو قائم اليوم، إذا اعتبرنا وجود "السلطة" في رام الله وحماس في غزة، مع الاعتراف الأممي بمكانة فلسطين كدولة (غير عضو)، شكلاً من وجود هلامي لدولة فلسطينية ما. وإذا كانت السنوات السبع عشرة القادمة لن تحلّ قضايا حق العودة، والقدس، ولن تكون هناك نهاية للصراع، فمتى إن شاء الله؟!
بالطبع، سيفكر عقلنا المخدر باعتياد الزمن الممطوط بأن 17 أو 20 عاماً ليست شيئاً في عمر التاريخ، ولا هي كثيرة قياساً بعمر المأساة الفلسطينية، 65 عاماً منذ 1948. فما الضير إذا أصبح عمر المأساة 82 عاماً في 2030؟ ربما سيصاب الاحتلال بالسأم حينذاك، على طريقة الشاعر زهير الذي أثقلته تكاليف الحياة بعد ثمانين حولاً! وفي الحقيقة، يشير تقرير الاستخبارات الأميركية المذكور إلى مثل ذلك، حين يتحدث عن "الإنهاك العربي-الإسرائيلي". يعني: سيتعب المحتلون من الوضع القائم، وسيمل الفلسطينيون من المقاومة، فيتفقون على تغيير الوضع الراهن بإدامة الوضع الراهن وحسب. ذلك، طبعاً، مع احتمالات "أن يعمل الرأي العام العربي الصاعد على تضييق مساحة المناورة الإسرائيلية،" حسب التقرير، وتزايُد "إمكانية تحقيق المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحماس في
رام الله وغزة،" مع ابتعاد حماس عن سورية وإيران إلى المجموعة السنية العربية.
يُلاحظ أولاً نقض هذا السيناريو لخلاصة تقرير سابق صدر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قبل فترة، وبسط الأسباب لإمكانية زوال "إسرائيل" خلال 20 عاماً. فما الصحيح؟ لكن الأجدر بالملاحظة في التقرير الجديد أنه لا يسند أي أدوار للإدارات الأميركية، أو الاتحاد الأوروبي، أو العرب والمؤسسات الدولية في محاولة شيء جدّي لتغيير السيناريو الموصوف لفلسطين 2030. وفي كل مكان، يبين التقرير كيفية انشغال القوى العالمية بحفظ رؤوسها في عالم متغير. وهو ما يحيلنا إلى السؤال الذي يخصُّنا: هل ثمّة احتمالات أخرى غير متوقعة يمكن أن يضيفها الفلسطينيون أنفسهم؟
لطالما كسر التاريخ الأنماط وخيّب التوقعات. لا أحد، مثلاً، توقع الربيع العربي قبل يوم من حرق البوعزيزي نفسه –قياساً على نمط الخمول العربي الطويل. لكنّ تغيير التاريخ فعلُ إرادة وليس انتظاراً للهبّات. لا ينبغي أن تقنعنا صورة فلسطين 2030 في التقرير بالجلوس كسيرين على طريقة المتطير بالأبراج. سوف يعتمد علينا فقط خلق فلسطين أكثر جدوى، تفاجئ المنجمين في 2030.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة