لا شيء أسوأ من الاعتقال: أن يختبر المرء مطلق العجز أمام آخرين يمتلكون أقداره، ويتصرفون فيه بحرية بدون أن يتسنى له أدنى قدر من الاعتراض. وقد يختبر المرء شيئاً من ذلك الإحساس الخانق إذا دفعه أي حدث داخل عتبات مركز للأمن، أو استدعته أي سلطة لأيّ تحقيق، وفكر في احتمال أن لا يخرج من هناك لسبب غير متوقع. ومع الاضطرار إلى تفهّم احتجاز أشخاص يختل منطقهم إلى درجة إلحاق الأذى بالآخرين، فإنّ احتجاز الحريّة يبقى أقسى عقاب ابتكرته الساديّة البشرية بعد الموت -أو ربّما قبل الموت نفسه.
الأَسْر فكرة مستغرقة في خبرة الجنس البشري، وتجسيد مطلق للمفارقة والتعارض. فمن ناحية، بدا الإنسان ثائراً عنيداً ضد كل عناصر التقييد، حتى أنه ناضل جاذبية الكرة الأرضية وحلق في الهواء، وانعتق من غلاف الأرض إلى الفضاء. وما لم يستطعه بالفيزياء، حاوله بإطلاق مخيّلته لتقطع أيّ حدود. ومن ناحية أخرى -وفي نفس السياق!- ابتكر البشر لأنفسهم كل أشكال تحديد الحرية. بدأوا بالحيطان والأبواب، ومروا بالأسوار والأبواب والأقفال، ولم ينتهوا بسك الأغلال وهندسة المعتقلات. هكذا انقلب السحر على الساحر. ففي سياق نفس المسعى لتوسيع الحصة والحيّز، ضيّقت البشرية على نفسها الحيّز والحريّة. وتقسم العالَم بحيث أصبح الأكثر حريّة هم الذين يمتلكون الوسائل لاختصار حريّة الآخرين وتضييق الخناق عليهم.
بهذا التفاوت شبه القدري من حظوظ الناس، يولد البعض أقل حريّة من آخرين سلفاً، فيكونون أسرى مضاعفين لعناصر لا تتعلق كثيراً بالإرادة. ثمة الذين وُلدوا أبناءً لعبيد، فورثوا إسار العبودية بلا جريرة. وثمة آخرون وجدوا أنفسهم أسرى، بشكل أو آخر، للجغرافيا، أو العرق واللون، أو الثقافة، وشتى التصنيفات التي خدمت حريّة القلة على حساب حرية الكثرة. وفي أعلى الصفحة، يتربع دائماً عنوان "الصراع" على بدء وختام التفاوض البشري، ويجعل كل المفردات التصالحية في المتن مجرد تفاصيل وتنويعات من أجل إسباغ المعنى والأخلاقية على مناورات التنافس. وكمثال فقط على حصيلة المفارقة في مسعى البشر إلى حل معضلة الأسر والحرية، تكفي ملاحظة "الحضارة" التي ما تزال تعتقل العالم وتحاول أن تبيع عليه قيمة الحرية -حتى بالسلاح- وهي التي تأسست بلا جدال على إبادة شعب كامل، ووضعت بقاياه قيد الأسر -حرفياً- في محميّات مسيجة: أميركا.
بتقسيمة الجغرافيا، والعِرق والثقافة، ولدنا في هذه المنطقة أكثر أسراً وأقل حرية من آخرين. في البداية، وعى آباؤنا على خبرة الاستعمار الخارجي وأسر الأوطان جميعاً. ونحن وعينا على أشكال من الاستعمار الداخلي الذي يصادر حرية الأجساد والأرواح والأفكار. وفي حين تعلمنا نشيد "بلاد العُرب أوطاني"، فقد كان ذلك بالذات هو الذي حكمنا بقدر العيش في مكابدة الحفر على كل أشكال الحريات: حرية الإرادة، حرية التعبير، حرية التنقل في وطننا العربي، حريّة محو الفاصل بين الداخل الطليق –أحياناً- والمظهر المرتعب المنضبط. ولشدة الأسر، أصبح مجرد النطق بمحرم "الحرية" مكلفاً جداً. ولا أجد تلخيصاً أفضل مما قاله مظفر النوّاب: "سُبحانكَ، كلُّ الأشياءِ رضيتُ سوى الذُّل، وأنْ يوضعَ قلبي في قفصٍ في بيت السُّلطانْ. وقنِعتُ يكونُ نصيبي في الدُّنيا، كنصيبِ الطيرِ، ولكن سُبحانَكَ حتى الطَّيرُ لها أوطانْ. وتعودُ إليها، وأنا ما زلتُ أطيرُ.. فهذا الوطنُ الممتدُّ من البَحرِ إلى البحرِ سجونٌ متلاصقةٌ، سجّانٌ يُمسكُ سجّانْ".
في هذا الوطن الممتد/ الضيّق.. المحاصر نفسه بطبقات من الأسر، ثمةَ الفلسطينيون -شعبٌ كامل رهن الاعتقال بتعاقب الأجيال، بحراسة سجّان "الحضارة" الكبير، صاحب محميات الهنود الحُمر، ونّوابه من كل الألوان. ثلاثة عشر مليوناً –أكثر أو أقل- في أسوأ أنواع الأسر: سجناء حريّة في سجون الاحتلال؛ سجناء حريّة في محميّة غزّة المحاصَرة؛ سجناء حريّة في محمية الضفة المحاطة بجدار؛ سجناء حريّة في قلب فلسطين المحتل؛ وسجناء حريّة في معتقلات المنفى الضيّق جداً على المشتتين. ملايين من الناس الذين ولدوا أسرى لهويّة تجعلهم هي نفسها أكثر عرضةً لاحتمال مزيد من الاعتقال. شَعبٌ كامل اختصرت فيه البشرية فكرة الأسر، وشغلته بمهمّة الاشتباك المؤلم مع معنى الحرية، وأجبرته على توارث هويته برمز مذهل: المفتاح!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة