لا شك أن قدوم رمضان يضيف تنويعاً على رتابة الإيقاع. ومع بعده الروحاني الأساسي، نفكر في مصاحباته الجميلة: إنه يجمع العائلات؛ يوحد المشاعر؛ يستنهض نزوع عمل الخير النائمة؛ يتابع فيه الناس الدراما التلفزيونية بشكل مختلف؛ يعكف فيه البعض على مراجعة ذاتية أخلاقّية؛ يفتح فيه آخرون قلوبهم وأيديهم لمواطنيهم الأقل حظّاً فيودّوهم بعاطفة أو هديّة، وقد يتصالح فيه بعض المتخاصمين على شأن لم يكن مهماً، بمبادرة طيبة.. وهكذا.
لكن رغبة النّاس في جعل رمضان مختلفاً بشتّى الوسائل، تتفتق أحياناً عن ممارسات تنقُض الجماليات، وتنال من الفكرة الأصلية؛ بروحانيتها ودنيويتها معاً. هناك أولاً، العصبية! وكُنّا نلاحظ، أيّام كانت الحياة أكثر بساطة، نوعاً واحداً ظاهراً من العصبية: عصبيّة الزوج الصائم المدخن، والتي عادة ما كان يصبّها على زوجته. وبعده عصبيّة الموظف في وجه المراجعين. وكان الناس يقولون: "هذا الأخ يصوم لربّه ولنفسه، لكنّه يحمّلنا "جميله" وكأننا نحنُ جوّعناه وعطشناه!". لكنّ العصبية الرمضانية المنزلية تطوّرت لتصبح عُصاباً اجتماعياً. ولشدّة الانتشار، أصبحنا نحسّ بثقل عصبية الصائمين في رمضان مختلطة بهواء الشوارع والأمكنة. هذا سائق مستعجل على.. لا شيء، يزاحم ولا يرفع يده عن المنبّه. هذا مواطنك في متجر يدفعك بكتفه ويأخذ دورك بلا استئذان. هذا أخٌ يريد شراء قطايف رمضان، فيضع سيارته في عُرض الشارع بلا مراعاة لتعطيل الآخرين. والأكثر كشفاً عن التناقض، رواد مسجد يغلقون شارعاً رئيسياً ليس له بديل، حرفياً، فيضعون مركباتهم بالضبط أمام الباب مع وجود مصف قريب جداً –ربما على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات!
وهناك انفتاح الشهيّة المفرط؛ وكأنّ الناس يكونون جائعين كل العام ولا يأكلون إلا في رمضان، أو كأنّ كنزاً ينفتح عليهم فجأة، فيبدعون في ابتكار سبلٍ لإنفاقه! ولو تأملنا معظم موائدنا الرمضانية الممتدة كلّ يوم، لوجدنا أكثر الأنواع والأشكال ليس لها لزوم في الحقيقة، فقط لنعيد الكرّة في اليوم التالي. وفي الأخير، يذهب الكثير إلى حاوية القمامة، أو إلى الثلاجة التي تصبح بعد أيام غاصّة بالزوائد. وطبعاً، يأتي بعد رمضان العيد الذي لا تخفى مصاريفه، فمن أين؟! صحيح أنّ الله يُيسر، وأنّ للشهر بركته، لكنّ الواقعية تصدمنا دائماً بحقيقة الاضطرار إلى المعاناة في الأشهر التالية نتيجة إفراط الاستهلاك، لأن السماء لا تمطر في الحقيقة ذهباً ولا فضة!
وهناك المآدب والولائم. ولا ضرر في الأساس من فضيلة الكرم التي يعرّفها العرب بطريقة عجيبة؛ ولا في صلة الرحم وإطعام الأحبّة. لكنّ قدرات الناس تغيّرت سلباً في وقت سمته الأزمة، في حين تحوّل شكل وتفصيل المآدب من البساطة إلى التعقيد. اليوم، إذا دعا المواطن العادي عشرة أشخاص أو نحو ذلك، بالإضافة إلى عائلته، فإنّه قد ينفق ثلث دخله الشهري –إلا من رحِمَ ربي- على وجبة تُستهلك في ربع ساعة. وإذا أولمت، فإنك تحرص على مطالعة الآخرين، فلا تدع شيئاً إلا وتحضره حتى "تبيّض وجهك"! ولا بأس إذا استراح أهل البيت فأوصيت على طعام جاهز، وتحملت الكلفة الإضافية لإطاعة التقليد الاجتماعي الجديد. وغالباً بعد انفضاض الواجب الاجتماعي، يكون لقاء المجتمعين بعد عام. وفي الأصل، يُفترض أن يكون الصيام رفيق التقشُّف وضبط النفس عمّا تشتهيه، من طعام وغيره. لكنّ الأمر يتحوّل إلى انقياد للرغبات، وليس في شيء سوى كثرة الأكل أو الإغراق في الكرم على ضيق حال.
وأيضاً، ساعة الإفطار –المتصلة بما سبق من كثرة التنقل في رمضان بين بيوت الأقارب والصحاب لارتياد الولائم. بطبيعة الحال، يحرص الغالبية على وصول منزل الداعي بالضبط عند الأذان، تجنباً للاضطرار إلى كثرة المجاملة على جوع، أو لأن حبل الودّ ليس بذلك الامتداد. وهكذا، يخرج معازيم المدينة معاً ويركّبون لمركباتهم أجنحة. وإذا شعر الواحد بأن حساباته خدعته واصطادته أزمة خروج الرفاق في نفس الوقت، فإنه لا يجد حرجاً في قطع الإشارة الضوئية حمراء، أو "البتوَنة" على الطريق ومزاحمة الآخرين، حتى لو غامر باحتمال دهس عابر أو بتعريض عائلته وغيرها للحوادث!
أيّاً يكن، نتمنى شهراً أقل عصبية واستهلاكاً وحوادث، وأكثر روحانية وعقلانية وخيراً. رمضان كريم!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة