عندما ركبتُ الطائرة أول مرة وغادرت الأرض، هاجمني شعور بالحصار. أحسستُ بأنني تطوعت برهن ذاتي لهذا "المكان" المعلق في الهواء والخضوع لشروطه. لن أستطيع الخروج إلى الشرفة؟! لن أستطيع -إذا ضاق نفَسي أو أصابني الضجر والغثيان أن أقول للقبطان ما قال محمود درويش لسائق الباص: "أما أنا، فأقول أنزلني هنا، إني تعبت من السفر". لن تكون الأرض تحتي إذا قرّرت هذه العربة الطائرة أن تتعطل وتغدر بي. وفوق فقدان الوقوف على الأرض الصلبة، هناك توقُّع العربي الحذِر مما قد يحدث في مطار الدولة الشقيقة. لا شيء يمنع أن يطيل موظف الأمن هناك مطالعة جواز سفرك، ثم ينهض من مقعده ويقول: اتبعني، إذا سمحت. وإذا حدث ذلك، فليس للعربي، في بلاد العرب، إلا رحمة الله. لا قريب أو نسيب يمكن أن تهاتفه ليتصرف، ولا ثقة غير العربي بسفارة بلاده لتتابعه بحماس.
طبعاً، لا ينبغي أن تكون شخصاً يعمل في مجال عام يُعلِن آراءك حتى تكون عرضة للتوقيف. ببساطة، قد لا يكون الطقس ربيعياً بين الأشقاء الرسميين في الدولة الشقيقة والرسميّين في بلدك، فيحبّون أن يُروهم حجمهم فيك ومن خلالك. ربّما يحققون معك بتهمة "التجسس" مثلاً، أو "الإرهاب"، أو تشابه الأسماء، أو مجرّد جنسيتك . ولِمَ لا؟! وقد يعتذرون منك بعد ساعة ويطلقونك، أو يعتقلونك. وأهون الشرور أن يردّوك على أعقابك من حيث شرّفت. ولا شك أنك ستشعر بالأمان والإلفة في معظم الشوارع العربية عندما تنهي تختيم أوراقك وتخرج إلى حيث مواطنيك. لكنّها الحدود، هذه المنطقة الحرجة التي تنقطع فيها عن هنا وعن هناك، وتكون بلا ظهير بين أيدي أناس غير الكيّسين غالباً ليقولوا لك: أهلاً، أنت في بيتك. هذا كلّه، طبعاً، إذا تدبّرت أصلاً تأشيرة دخول إلى الدولة الشقيقة. وفي معظم الأحوال، يولد أكثرنا ويشيخون وهم يتمنّون زيارة "بلاد العرب أوطاني" التي قالوا لنا إنها لنا في كتاب القراءة. لكنّنا نكتشف مع الرشد أن العالَم لا يتجاوز السلك الشائك الذي يحيط بالبُقعة التي حددها رسام الخرائط الأجنبي بقلم على ورقة، وأن بيننا وبين المنطقة الأخرى على بعد أمتار جنودا وبنادق وكلابا وحرسا، وغربة. وفي الحقيقة، كانت الحدود "غير الشقيقة" أقل رهبة من حدود "لسان الضاد يجمعنا" حتى جاءت "الحرب على الإرهاب"، فأطبق علينا ضيق الحدود.
الحدود فكرة غير إنسانية في مطلقها. ليست لها علاقة بالخصوصية بقدر ما لها علاقة بالنرجسية. لا ينبغي أن يعني حظّي القدَري من مسقط الرأس أن أكون محظوراً من معظم أجزاء بيتي -الكرة الأرضية- وأن تكون لغيري –بموجب حظّه من ذلك- حريّة أكبر بما لا يقاس في التجوال. وقد أحسستُ بذلك حين اطلعتُ مصادفة على هيئة "الحدود" بين بلجيكا وهولندا الأوروبيتين. حسب الصور والواقع، لا يتجاوز الحد بين الدولتين خطاً مرسوماً على الأرض بالدهان الأبيض، على شكل إشارات + متواترة. ويمتد الخط على الشارع، والرصيف، وإلى داخل منزل ومقهى تكون فيه طاولتك في هولندا وطاولة جارك في بلجيكا. وحتى تقطع "الحدود"، ما عليك سوى الخطو فوق الخط، نقطة! لا كلاب، لا أسلاك شائكة وبنادق، ولا أختام وجوازات سفر وهاجس "اتبعني، لو سمحت"!
في أوروبا المعجون ترابها بقتلى الثارات والحروب، لا يحتاج الغريم القديم اليوم سوى نهوض رغبة التجوال فيه ليركب سيارته ويذهب ليغير الجو في أي مكان تقوده إليه الطريق. هناك، كثيراً ما لا تعرف أنك دخلت الدولة المجاورة إلا إذا شاهدت لوحات تسجيل السيارات المختلفة، أو رأيت شواخص المحلات مكتوبة باللغة الأخرى. وهناك حدود بين بلدين أوروبيين (سقطا من ذاكرتي) تميّزها من نوعيّة إسفلت الشارع التي تتغير عند نقطة ما: هنا فاتحة و"هناك" غامقة، على حدّ شعرة. ولا يجب أن تكون أوروبيّاً حتّى تخرج من سجن الحدود؛ سيكفي أن تحمل تأشيرة "شينغن" لتعبر الحدود الأولى فقط، وتطير هناك طليقاً كالعصافير.
"شينغِن" عربي؟! قد يحدث أن يدخل الفيل في ثقب أبرة! وحتّى ذلك الحين، -لا أعرف عن غيري- ستُبقي الحدود الوحشية الصدر ضيقاً، والهواء شحيحاً، والحريّة ناقصةَ المعنى!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة