مبروك لأبنائنا الذين اجتازوا وقيعة التوجيهي الأخيرة. وللذين لم يجتازوها هذه المرة، أقول: لا بأس عليكم، سوف تجتازونها في مرة قادمة. لكن هناك أيضاً أولئك الذين لا تعنيهم تهنئة ولا عزاء -أولئك الذين قُتلوا أو جُرحوا بسبب التوجيهي؛ ضحايا الرصاص الهمجي الطائش الذي جاءهم غدراً من حيث لا يحتسبون.
عجيبة هذه المبالغة في الفرح حد قلبه إلى ضده. لا أعرف أين أيضاً في العالَم يعتبرون نجاح أحد في الدراسة، أو زواجه الميمون، عيداً وطنياً، يجب أن تُغلق له الشوارع! ماذا لو كانوا يحتفلون بإطلاق النار وإغلاق الطرق يوم إعلان نتائج "توجيهي" الهند مثلاً، حيث ينجح الملايين؟ ربّما سيفتحون هناك جبهة تستهلك مقذوفات حربيّة أكثر من الحرب العالمية! ولا بدّ أن يخلف ذلك آلاف القتلى والجرحى، وسيغلق شوارع شبه القارة ويستدعي تدخل منظمات إغاثة الكوارث العالمية!
قد لا يقبل عرفنا الاجتماعي الموهوم أن "يستخف" أحد بالنجاح في التوجيهي هنا، لأنّ الناجح فيه عندنا أبرع ممن صنع القنبلة الذريّة، أو اكتشف البنسلين وحرّر البشرية من هجوم البكتيريا. والحقيقة، لمن تعنيه الحقيقة، هي أن من الطبيعي أن يدرس الناس، وينجحوا أو يخفقوا. وما دمنا نتحدث عن مجتمع متعلم، فإنّ خبرة التوجيهي وغيره ينبغي أن تكون كما هي، شأناً اعتيادياً من مكونات الخبرة الحياتية. لكنّ نوعاً غريباً من سوء التسويق والأداء التربوي والاجتماعي، كلها جعلت من خبرة "التوجيهي" كابوساً، ومفصلاً خطيراً يقرّر أقدارنا. ولذلك، يهرب بعض أبنائنا إلى الانتحار إذا أخفقوا فيه مرة، خوفاً من العار الاجتماعي، وكأن الدنيا وقفت هنا. ولذلك أيضاً تصبح بيوتنا نهباً للتوتر والاستنفار إذا استوطنها "توجيهي" أحد الأبناء –والمصيبة إذا كانوا كثيرين متعاقبين، ومعهم "توجيهياتهم" المقيمة!
سوف يطول وصف المقدمات الاجتماعية والسياسات التربوية التي جعلت من التوجيهي هنا ما هو عليه. لكنّ المختصر المفيد هو أنّ كل المحاولات التي تجري لإصلاح هذا الامتحان ما تزال تخفق في إنزاله من عليائه وتخفيف الطلبة وعائلاتهم من ثقل هذه الخبرة غير الممتعة. وهكذا، وصل تقديس الناس لهذا الامتحان حد اعتبار اجتيازه يستحق إغلاق الشوارع، وإزعاج الآخرين، وفتح الجبهات بالرصاص الحيّ، في سلوك إجرامي يتجاوز الشروع في القتل إلى القتل الفعلي. وليس هناك شيء في الدنيا، لا توجيهي ولا عرس، ولا فوز برشلونة، ولا إحضار الذئب نفسه من ذيله، يعطي الحق بجرح أو قتل بريء تأتيه غيلة رصاصة مجنون يتذرع بالفرح.
من ضحايا رصاص التوجيهي المجازي، زميل حصّل علامة 295 من 300 في الرياضيات، وعلامات ممتازة في الفيزياء والكيمياء، لكنه أحرز مجموع 120 من 300 في اللغة العربية. وعلى الحسبة القديمة، خسّره مجموعه في اللغة العربية وحدها 18 علامة من المعدل. ومع بعض العلامات الأخرى المفقودة أصبح معدله في أواسط الثمانينات. كان موهوباً في الرسم، ويحلم بدراسة الهندسة المعمارية، فذهبت به علاماته إلى كليّة الآداب، ليدرس اللغة العربية بالتحديد، وضاع عليه وعلينا معماري ينطوي على بذرة الإبداع. وما أكثر هذه المفارقات -أو الرصاصات- التي أطلقها نظام التوجيهي المتزمت على أحلام الطلبة ووجهاتهم المهنية، بسبب سوء "التوجيه" بالذات. إن التوجيهي لا  يوجهك، وإنما يجرُّك بحبل إلى حيث لا ينبغي، لا حيث تحب أن تذهب بحياتك.
ليس من المعجز التفكير في آليّات أخرى أكثر عدالة وعلمية وأقل استدعاء لإطلاق الرصاص حتى يتجه الطلاب إلى ما يبرعون فيه. وإذا لم يكن الابتكار ممكناً، فلا عيب في استعارة ترتيبات تربويّة ناجحة من دول لا يموت الناس فيها بسبب امتحان. ويعني غير ذلك –ولو أنه المألوف في كل زاوية لدينا- أنّ هناك تزمتاً وانحيازاً عصبوياً إلى الغلط، عنوانه التشبث بهذا الشكل الغرائبي من "الفخر الوطني".
اعذروني! يهمنا الناجحون، وإنما بمقدار قيامهم بما عليهم. نقطة. ويهمنا المخفقون المحتاجون أكثر إلى التعاطف والسلوى والتشجيع. وأكثر ما يكون، يهمنا ضحايا نوبة الجنون المسلح التي أصابت وقتلت 12 أردنياً خلال سويعات من إعلان النتائج. وإذا رأينا الأمر بهذه البساطة، كما هو حاله، ربما نخلص من تجليات الهبل الاجتماعي، ويقل ضحايا التوجيهي –الحقيقيون والمجازيون.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة