الدنيا مدارس واتجاهات. وإذا كنا نتحدث عن الدول والمواطنين، فإن مدارس إدارة الدول الواعية تتجنب الفصل بين الأقنومين: لا دولة بلا مواطن. هناك، يكون صاحب القرار هو الدماغ، والمواطنون أجهزة الجسم الحيوية التي يشغلها الدماغ لتبقى حيّة معافاة، فيحيا هو أيضاً. وفي المدارس الساذجة، تكون العلاقة بين المواطن والدولة انفصالية تنافُسيّة، يجهد فيها كلّ منهما في استغلال الآخر ومداورته وتحميله الأعباء، فيكون قدر الجسم كله اختلال الوظائف والتطفّلية والاعتياش.
نفكّر بذلك مع عودة الأبناء الوشيكة إلى المدارس، واشتباك الأهالي مرة أخرى مع همّ تدبير المصاريف واللوازم، خاصة مع اتجاه البلد العام والطاغي إلى "التعليم الخاص". وفي الظاهر، تتخذ المسألة شكل احتجاج مواطنين على مواطنين –ضيق الأهالي المُثقلين بالرفع المتواتر لرسوم المدارس، من أصحاب الاستثمار الرأسمالي في سلعة العلم، الساعين إلى تحقيق أقصى الربح من الفرق بين قيمة المعروض والعائد، حسب قواعد التجارة. لكن للمسألة علاقة أصيلة مغيبة بالمدرسة الإدارية التي تحدد ماهية العلاقة بين المواطن والدولة في تقاسم الكلف والأعباء، وفي التعليم هذه المرة.
في العصر الذهبي للتعليم في الأردن، وللأردن، درس الناس في مدارس الحكومة أو وكالة الغوث شبه المجانية. ولم يضطلع جيل التعليم الحكومي بمهمة بناء الأردنّ الحديث فقط، وإنما أسهم أيضاً بما يستحيل نكرانه في بناء نهضة الدول العربية الأخرى وتأهيلها وتمهيد طرقها إلى النور. فهل كان الأردن الناشئ حينذاك غنيّاً ممتلئ الخزائن بالمال، أو ضيّق الرؤية حين استثمر في تعليم أبنائه؟ وهل كسب أخيراً ووفّر حين تخففت الدولة من هذه المسؤولية؟ أم أنّه غيّر مدرسته حين أسقط التعليم من المكونات الاستراتيجية –بل مطلقة الاستراتيجية- لديمومة البلد وحيويته نفسها؟
إذا كنا نتحدث اليوم عن إلغاء الدعم المقدم للكهرباء والوقود، وربما الخبز، فإنّ الدعم قد أُلغي مُسبقاً عن سلعة التعليم الأكثر أساسية، باعتبارها وسيلة الأردنيين شبه الوحيدة للرزق، فشراء الخدمات والسلع. وقد اتخذ إلغاء الدعم المتخفي شكل دفع الناس إلى النفور من التعليم العام، والاتجاه إلى التعليم الخاص المكلف. ولا عيب أساسياً في وجود تعليم خاص يُفترض أن يكون نوعيّاً جداً ويستحق دفع ثمنه، لكنه ينبغي أن يكون خياراً للراغبين، موازياً لتعليم حكومي شبه مجاني معقول النوعية أيضاً. والذي حصل، هو أن معظم التعليم "الخاص" هنا ليس نوعياً ولا ما يحزنون. ومع ذلك، ترسخت فكرة –ربما تكون مبررة- بأن هذا التعليم يظل أفضل من تعليم الحكومة مهما كان نوعه. وفي المحصلة، فقد الأردن جودة منتجه المعرفي وأهلية أبنائه، وأثرى أكثر من اللازم من المستثمرين في التعليم بلا رؤية غير المال، من فائض القيمة الهائل بين رداءة الخدمة وضخامة العائد، وانكسرت ظهور الأهالي المضطرين إلى هذه الكلف التي لا مهرب منها.
هذه المدرسة الإدارية قصيرة النظر، التي تخلصت من أفضل استثمار استراتيجي في هذا البلد بالخصخصة، ربما استرشدت بمبدأ "مشّي حالك" لإدارة الأزمة يوماً بيوم، بلا رؤية مؤسسيّة رشيدة. ومرّة أخرى، أجيبَ عن سؤال العلاقة بين المواطن والدولة في شكل بعيد عن التكامل، حين أصبح التعليم شأناً يخص المواطن المضطر إلى تحمل كلفته ليعيل الدولة في نهاية المطاف. وتحوّل التحكم بالتعليم من جهد وطنيّ يرى أبعد من الربح المباشر، إلى سلعة تخضع لإرادة المصالح الفردية الخاصة. وهكذا، أهدرت الدولة-المواطنون سلعة تصديرية كانت مطلوبة ومصدر دخل أساسي.
مع كل ما يقال عن نضوب جيوب الدولة، واستنزافها جيوب المواطنين، واشتراطات صندوق النقد الدولي وغيره، لا بد من إنزال ملف التعليم عن الرفّ المهمل المغبّر، وإعادة حساب الأرباح والخسائر. وكما يحدث في أوقات الأزمات، واتفاقاً مع مبدأ تجرع الدواء المر المفروض الآن على المواطنين حصراً، فإنه يجب على الدولة التفكير استراتيجياً في إعادة تأميم التعليم وتحمل مسؤولية إدارته والإنفاق عليه، حتّى يعود إلى سويّة معقولة تعيده إلى خانة الاستثمار المربح. ذلك سيستعيد الانطباع بتكامل العلاقة الطبيعي بين المواطن والدولة، ويخفف العبء غير الطبيعي على كواهل المواطنين، وينقذ الوعي من اتجاهها الانحداري، ويخدم استراتيجياً هدف إقامة مجتمع معرفة هي سلعته الوحيدة التي يمكن أن يعيش منها بكرامة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة