تترتّب أقدار الناس بطريقة غريبة. البعض عندنا يسمّونها القسمة، النصيب، الحظّ، أو إرادة خارجة عنّا عجيبة التوصيفات. لكنّ الصورة في مجملها محبطة جداً. إنّك تفتح عينيك على العالَم، لتجد نفسك مُوثقاً إلى بقعة من الكرة الأرضية، قد تكون قطعة من الفردوس، أو كِسرةً مسلوخةً من جهنّم. ثمّ تصادف على طريق الحياة حديثاً متكرّراً عن الكدح والإصرار والمثابرة، كاحتمالات لتغيير مكانك في العالَم، فيزيائياً أو معنوياً. لكنّ قليلين هم الذين يتمكّنون من اجتياز كل أنواع العوائق أمام الانتقال إلى مكان يختارونه ويروق لهم شيئاً.
تشاغلتُ عن ضيق المساحة وفقر الخيارات بمشاهدة برنامج وثائقي عن الأماكن، بعد أن تحوّلت عن المحطّات التي تعرض جثث القتلى والبيوت المدّمرة والخوذ العسكرية واليافطات المتروكة في الوحل بعد قمع المتظاهرين في المدن العربيّة. تصوّرت -بناء على نصيحة قرأتها- أنّ تخيُّل الذات في مكان خلاب سيهدئ النفس ويغسل عن الروح بعض السواد. شاهدتُ مجموعة من هواة التزلج الأوروبيّين، ينتقلون بالقارب من مدينة ساحلية روسيّة إلى إسطنبول التركية، بمنتهى السهولة وكأنهم يتجولون في بيتهم. وبعد جولة في الأسواق الشعبية، يرتحلون بمعداتهم إلى الجبال الريفية المثلجة في الشمال. وهناك، يصادفون على الطريق فلاحاً تركياً وزوجته سائرَين وسط الثلج الكثيف.
كان الرجل يحمل بندقية صيد، بينما تُثقل سلة قشّ مليئة ظهر المرأة السائرة بجواره، متسربلة بثوبها الضافي. وعجبتُ -وربّما فعل المتزلجون الغرباء- من هذا التقسيم في العمل، حين خصّ القرويّ نفسه بحمل البندقية، وترك لامرأته حمل سلة التموين الثقيلة (ربّما للأمر أبعاد تستحقّ التأمل الفلسفي). لكنّ دعوة الرجل وزوجته الغرباء إلى كوخهم بعد توصيلة قصيرة في السيارة الكاسحة للثلوج، أحلّت شعوراً بالترتيب محلّ التفاصيل الفوضوية. ثَمّ دعة سماويّة تلفّ ذلك الكوخ المتلفّع بالثلج، ويفيض بالدفء البسيط الذي انسرب حتى عبر شاشة التلفاز، مع أكواب الشاي والفراش الأرضي، وطيبة العجوز والدة صاحب المنزل -حتّى إنّ أحد الجوّالين الأوروبيّين اعتبر التواجد في هذا المكان المختبئ في حضن الجبال أجمل ما صادف في رحلاته. تمنيّت لو كنتُ هناك!
ثم ذهبت الرحلة بعد ذلك إلى قرية مغربية بالغة الفتنة في جبال أطلس الصغير. في الخلفيّة غناء فتاةٍ شجيّ جارح. وفهمت من الترجمة أن اسم الأغنية "دعوني أبكي". هناك، يقول الراوي، "نساءٌ بلا رجال"، حيث يغادر الأزواج لمطاردة الرزق ويغيبون في المدن البعيدة، تاركين للزوجات الوحيدات أمر القيام بدور الرجل والمرأة معاً. وعرض البرنامج امرأة تصنع الأطعمة والطواجن لتقدمها مع الشاي لعابرين في المقهى المفتوح. وتقول المرأة التي يلهو صغارها في بركة احتفرها شلال في حضن الجبل: "عندما لا أملك ثمن أضحية العيد، أشعر بالأسى". وتقول فتاة وحيدة أخرى: "تزوجت ولم ألعب ولم أمرح. هنا نصل الصفّ السادس ونتوقف. ليست لدينا مدارس ثانوية". هنا، تتزوج معظم البنات صغيرات، ويتسلّين عن الوحدة بالغناء، والعمل وانتظار الغائبين. وغالباً ما ينقضي العمر بدون أن تخرج إحداهنّ من المكان، حتى لزيارة مدينة أفران القريبة.
نساء تلك القرية الأمازيغية أيضاً لا يمتلكن ترف التجوال. ربّما تبدو الحياة هناك، في ذلك البهاء الريفيّ، مغوية لسائح يختار زمن الحل والترحال، لكنّها سجن لقروياتها المنذورات للوحدة والفضاء المغلق، والمسؤوليات المضاعفة. وانتهى الفيلم بغناء الأمازيغية الذي اتخذ شجنه الآن بعداً أعمق، بينما تمسح الكاميرا المكان الذي يصغر، بينما تتسع اللقطة لتضم الجبال كلها. ولم أعرف إذا كان ينبغي أن أكون هناك، لكنني أحببت على الأقل مقهى العابرين وإبريق شاي المغربية، صاحبة الطواجن.
في الحقيقة، يعيش معظمنا ما قُيّضَ له من العيش، مثل ساكن الفندق الكبير الذي لا يرى منه سوى غرفته، رواقه، وربما طابقه. وقد تطل نافذته على أماكن لا يتمكن عمره من ارتيادها فعلاً، ويبقى حتى فندقه نفسه فندقه. ونحن، قسمتنا من الكون أماكن قليلة الخضرة، شحيحة الماء، قليلة الغناء، مقفلة البوابات وقابضة على قاطنيها. وكلما نظرنا من نوافذ أسوارها إلى العالَم الفسيح الذي ليس لنا، شدّت قبضتها على الأضلاع، وذكّرتنا بقسمتنا من المكان، حيث اليافطات الغارقة في الوحل والعسكر والمساجين!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد علاء الدين أبو زينة